الدول الاسكندنافية والحياد

03:50 صباحا
قراءة 3 دقائق
د. محمد الصياد

عديدة هي المميِّزات التي تكاد تنفرد بها الدول الاسكندنافية الثلاث، النرويج والسويد والدنمارك، عن بقية بلدان القارة الأوروبية، من بينها اختيارها جانب الحياد في النزاعات والصراعات الدولية. فقد أخذت جانب الحياد في الحرب العالمية الأولى. وفي الحرب العالمية الثانية أيضاً، آثرت الحياد، لكن الحياد، هذه المرة، لم يجنبها الحرب، حيث غزت ألمانيا النازية الدنمارك والنرويج في 9 إبريل/ نيسان 1940. السويد أيضاً اتخذت جانب الحياد بشكل عام، ولكن هنالك روايات عن استخدام أراضيها كمعبر للقوات النازية الألمانية، كما استُخدم خام حديدها في الجهد الحربي الألماني. وهناك اتهامات غير مؤكدة حول مشاركة جنود سويديين إلى جانب القوات الألمانية في الحرب. ومع ذلك، فضلت السويد، على عكس جارتيها النرويج والدنمارك، البقاء خارج حلف شمال الأطلسي «ناتو»، بيد أنها انضمت في عام 1994 إلى «مبادرة منظمة حلف شمال الأطلسي من أجل السلام»، وأصبحت عضواً في مجلس الشراكة الأوروبية الأطلسية في عام 1997. وهي تُعتبر اليوم واحدة من أكثر شركاء الناتو نشاطاً ومساهمةً في بعثة الدعم المتصل بقيادة حلف الناتو في أفغانستان، وفي الائتلاف الدولي لهزيمة «داعش». وفي الانتخابات التي جرت في التاسع من سبتمبر/ أيلول الماضي التي جدد فيها الحزب الاشتراكي السويدي، بصعوبة بالغة، فوزه فيها، فإن الدعم المتزايد للانضمام إلى حلف الناتو يزداد، ويضع حكومة رئيس الوزراء الاشتراكي ستيفان لوفين، تحت الضغط، مع توجه تكتل المعارضة المكون من أربعة أحزاب لدعم عضوية السويد في التحالف العسكري الأطلسي للمرة الأولى.
النرويج والدنمارك عضوتان مؤسستان في منظمة حلف شمال الأطلسي، وقد شاركتا بفعالية في كل أنشطة الحلف منذ توقيع معاهدته في واشنطن في الرابع من إبريل/ نيسان عام 1949. بل إن منصب الأمين العام الحالي للحلف يتقلده النرويجي ينس ستولتنبرج، رئيس وزراء النرويج السابق، حيث تولى منصبه في 1 أكتوبر/ تشرين الأول 2014. وكان قبله في المنصب الدنماركي أندرس فوج راسموسن، رئيس وزراء الدنمارك السابق الذي تولى المنصب في عام 2009. بل إن الدانمارك رفضت إعطاء الترخيص لمرور أنبوب غاز السيل الشمالي-2 الروسي عبر مياهها الإقليمية للأوروبيين، تبنياً للمطلب الأمريكي برفض المشروع الذي حصل على التراخيص اللازمة من جميع الدول باستثناء الدنمارك، لذلك طورت»نورد ستريم-2»، مساراً جديداً لأنبوب الغاز يتجاوز الدنمارك.
السويد أيضاً، تقف اليوم على مفترق طرق، ما بين السير في الطريق المؤدي إلى الانضمام الكامل إلى حلف شمال الأطلسي، بما ينطوي عليه من متطلبات أمنية ثقيلة، وتحديات جيوسياسية، أو الاستمرار في المحافظة على وضعيتها المحايدة المستمرة منذ أمد بعيد، منذ أن قرر ملوكها السابقون في القرن السادس عشر، أن تبقى دولة شمالية تنشد السلام، والنزاهة، والأخلاق، معتبرةً بما يُعرف في التاريخ بمذبحة ستوكهولم التي جرت فصولها في منطقة جاملا ستان (Gamla Stan)، التي قام بها هانز كريستيان الثاني ملك الدنمارك، واستطاع خلالها السيطرة على المدينة في عام 1520، بعد أن أمر بقطع رؤوس العديد من نبلاء ستوكهولم. واليوم تعد «جاملا ستان»، أو المدينة القديمة، كما تسمى في ستوكهولم، أحد أجمل وأعرق الأحياء في أوروبا.
لقد كان السويديون قلقين من نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت يوم التاسع من سبتمبر/ أيلول 2018، ومصدر ذلك القلق كان احتمال تصدر حزب اليمين المعادي للمهاجرين «حزب ديمقراطيو السويد» الانتخابات في ضوء استطلاعات الرأي التي أعطته أسبقية بنسبة 25% من الأصوات. هذا القلق عبر عنه أيضاً بعض السويديين من أصل عربي. لكن نتائج هذه الانتخابات خالفت التوقعات، حيث حصل تحالف الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم والخضر على 144 مقعداً برلمانياً، بأفضلية مقعد برلماني واحد فقط عن تحالف اليمين الذي حصل على 143 مقعداً، فيما حصل حزب ديمقراطيو السويد على 62 مقعداً.
إنما النتائج بحد ذاتها مقلقة، لأنها تعني أن تحولاً دراماتيكياً قد حدث في المزاج العام للسويديين، بنزوعه نحو منازل قيمية أقل تسامحاً اجتماعياً، خصوصاً تجاه الأجانب، أو المهاجرين، بعد أن بدأ المجتمع يتحسس وطأة أكلاف هذه السياسة الإنسانية تجاه المهاجرين، واقتراب البلاد أكثر فأكثر من لحظة التخلي عن ميزة حيادها بالتحاقها بحلف شمال الأطلسي.
إنما في المقابل، فإن الدول الثلاث لا تزال تعتبر نفسها بلداناً محايدة، كما كانت منذ الحرب الباردة، وحتى اليوم. فهل هي كذلك حقاً؟

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"