ينتظر أن يصدر في فرنسا هذه الأيام الكتاب الابيض الخاص بالمراجعة الشاملة، التي طلبها الرئيس نيكولا ساركوزي لمجمل السياسات العسكرية والأمنية الفرنسية في الخارج، وحسب تصريحات صدرت عن جان كلود ماليه رئيس الفريق المكلف بهذه المهمة، فإن طموح الرئيس ليس أقل من وضع عقيدة جديدة للأمن والدفاع، وفي هذا السياق جاء اعلانه من لندن خلال زيارته الرسمية لبريطانيا، عن اتجاه فرنسا للعودة إلى الجناح العسكري للحلف الأطلسي الذي انسحبت منه سنة ،1966 وزيادة مساهمتها العسكرية في افغانستان بمعدل يقارب 1000 عسكري، ليرتفع عديد القوات الفرنسية الى اكثر من ،2500 ومع ذلك تبقى فرنسا في مرتبة بعيدة وراء غالبية الدول الأوروبية الكبرى، وحتى الصغرى مثل هولندا التي تساهم بحدود 3 آلاف جندي. ستكون قمة الحلف الأطلسي المقرر ان تنعقد في بوخارست بين 2و4 نيسان/ابريل، هي المكان الذي سيشهد قرار فرنسا العودة الى الجناح العسكري للأطلسي، وزيادة قواتها في افغانستان. وفي ما يتعلق بالمسألة الأولى فهي لاتحمل من الأهمية الاستراتيجية أكثر من الصدى الرمزي، لأن فرنسا رغم كل الاسقاطات السياسية التي علقت على ظهر خلافها مع الاطلسي، لم تكن بعيدة عنه ولا في اي يوم من الايام رغم الهيمنة الامريكية على الحلف، ومن جانب آخر من الخطأ ان ترمى تبعات هذه الخطوة على ظهر ساركوزي وحده، فالرئيس الفرنسي الذي لا يكف عن إبداء اعجابه بالنموذج الامريكي، وتشديده على التحالف القوي بين فرنسا والولايات المتحدة، لا يقوم باختراق القاعدة، ولا يشكل استثناء فرنسياً في هذا الميدان، ويشهد التاريخ على ان علاقات باريس مع واشنطن كانت جيدة على الدوام باستثناء فترة قصيرة جداً لا تتجاوز العامين بسبب الأزمة العراقية، بين نهاية سنة 2002 وحتى منتصف سنة ،2004 حينما حصل لقاء النورماندي بين الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك ونظيره الامريكي جورج بوش. ويمكن للتاريخ هنا ان يكون مرجعية الفصل، وخصوصاً في ما يتعلق بالرجل الذي يضرب به المثال، على صعيد الندية في العلاقات الفرنسية الامريكية وهو الجنرال ديغول. لم يقف زعيم اجنبي الى جانب الولايات المتحدة سنة 1962 مثلما وقف ديغول، في المواجهة التي قادها الرئيس الامريكي حينذاك جون كنيدي في ما عرف بأزمة الصواريخ السوفييتية في كوبا. ذهب الرئيس الفرنسي إلى واشنطن وألقى خطابا نارياً في الكونجرس الامريكي، أبدى فيه كل التفهم والمساندة للموقف الامريكي، إلا ان ديغول اصطدم بعد ذلك بسياسة الرئيس ليندون جونسون، الذي رفض أي درجة من الندية في العلاقات بين البلدين، كما تجاهل مصالح فرنسا، ولهذا اتخذ الزعيم الفرنسي قراره بالانسحاب من الجناح العسكري للحلف الاطلسي، وبدأ بشق الطريق لسياسة فرنسية جديدة في العالم قائمة على مراعاة مصالح بلاده، والتوازن في التعاطي مع النزاعات الدولية، ولهذا السبب ألغى صفقة طائرات مرياج حربية كانت اسرائيل قد سددت ثمنها، قبل حرب حزيران/يونيو سنة1967.لم يتخذ أي من الرؤساء الفرنسيين أي موقف سلبي من الاطلسي، بل انهم ابدوا أكبر قدر من التعاون والعمل من خلاله في اللحظات الصعبة، وتجلى ذلك في مناسبتين مهمتين: الأولى هي أزمة اجتياح الكويت، وهنا قرر الرئيس الفرنسي الاسبق فرانسوا ميتيران المشاركة الى جانب واشنطن ولندن بتشكيل قوة اطلسية، لفرض حظر جوي على الطيران العراقي في شماله وجنوبه من دون قرار من مجلس الأمن. والثانية هي تدخل الاطلسي في أزمة البلقان، والذي كان له الدور الفاعل في وضع حد لحرب التطهير الاثني، سواء في البوسنة او كوسوفو. ومن المعروف أن فرنسا شاركت بفعالية في هذا التحالف الدولي، وماتزال قواتها تشكل أحد الأسس لضمان الاستقرار في هذه المنطقة، وعلى سبيل المثال فإن قوات الاطلسي في كوسوفو هي بقيادة جنرال فرنسي. لو لم يكن موقع فرنسا داخل الاطلسي على هذا القدر من الأهمية، لكان قرار ساركوزي بالعودة إلى الجناح العسكري للحلف، صعبا جداً، ومع ان رغبته الشخصية التقت مع واقع قائم، فهي تعززت بوجود تيار في الأوساط العسكرية الفرنسية يضغط في اتجاه العودة، وحجة هؤلاء تنطلق من مبررات منطقية، ترى أنه ليست هنالك اسباب تحول دون تولي المسؤولية في هرم القيادة العسكرية، طالما أن فرنسا حاضرة بقوة داخل الحلف، على صعيد الاسهام في العمليات العسكرية واللوجستية والتمويل، ويرى هذا التيار ان هذا الحضور يجب أن يترجم نفسه في صورة رسمية وعلى نحو يتناسب مع ثقله، ولهذا سيكون قرار ساركوزي بالعودة الى الجناح العسكري في الحلف هو بمثابة تحصيل حاصل، وليس نقل فرنسا من موقع إلى موقع آخر مختلف، ولكن ستترتب عليه في جميع الأحوال تبعات استراتيجية، وهذا ما سوف تكشف عنه قمة بوخارست. أما في يتعلق بالنقطة الثانية وهي زيادة عديد القوات الفرنسية في افغانستان، فإن هناك قدرا كبيرا من الجدل، ومعارضة قوية في فرنسا نظرا للفشل الكبير الذي منيت به العملية السياسية والعسكرية، والثمن الباهظ في الارواح والماديات، وسيطرة حركة طالبان على قرابة 70 في المائة من التراب الافغاني. ومهما كانت مبررات ودوافع ساركوزي، فإن الأمر يشكل نقطة تحول في سياسات فرنسا.