تعرف القارىء الحديث إلى أدب البحر من خلال الرواية على وجه الخصوص، البحر من حيث هو عالم مليء بالتفاصيل والصراعات، والمدلولات والرموز، وفي هذا الشأن نستذكر الكثير من الأعمال التي اتخذت من عالم البحر وسيلة لتمرير فكرتها المتأملة في الكائن البشري وعلاقته بالوجود وصراعه من أجل الحياة .
وإذا كانت بعض الروايات قد أخلصت للبحر من حيث موضوعها الرئيسي، كما هو حال شخصياتها وأحداثها، مثلما تجلى في الرواية الشهيرة العجوز والبحر للأمريكي ارنست همنغواي، فقد سبقتها رواية موبي ديك للأمريكي، أيضاً، هيرمان ملفيل التي اتكأت على البحر وفي ذهنها التحول الكبير في المشروع الأمريكي بوصفها قوة صاعدة في العالم، وذلك في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وكان موضوعها يتحدث عن فكرة الصراع بين حوت وإنسان، في مقاربة لوضع الكائن البشري إزاء اكتشاف أمريكا ذاتها كقوة كونية وامبراطورية إمبريالية تصادر كل ما حولها من حس إنساني مفترض .
في استجلاء المشهد الروائي العالمي الذي يرتكز على البحر، ترد أسماء كثيرة منها: كوبر وريتشارد هنري وناثا هاوثورن وغيرها .
في المشهد الأدبي العربي يرد اسم الروائي السوري حنا مينة التي عُدت روايته الشراع والعاصفة واحدة من الأعمال العظيمة بانتسابها إلى أدب البحر، وبطبيعة الحال فإن النقاد يختلفون في المفاضلة بين رواية وأخرى عندما يكون الحديث عن أدب البحر، لكنّ مينة يظل واحداً من الأسماء المهمة في الوطن العربي، ممن التصقوا بالبحر واستفادوا منه في تشكيل عوالم وشخصيات وحيوات، تناظر الوجع الإنساني في حيزه الجغرافي وعلاقته مع ما يجري حوله من صراعات وقضايا اجتماعية وسياسية متعددة .
في دراسة لافتة لعبدالقادر الأسود تحت عنوان البحر في الأدب العربي يحيل الكاتب على الماء باعتباره يشكل سبعين في المائة من اليابسة، ويرى أن العرب كغيرهم كانت لهم آدابهم البحرية التي لا تحصى، وركز على الشعر كونه ديوان العرب الأول والدراسة تستقصي مفردة البحر في دلالاتها اللغوية والرمزية أكثر من معاينتها للبحر باعتباره فضاء شاسعاً ومهيباً من المياه، فلا شخصيات أو حوارات متينة ظاهرة في أفق الدراسة سوى ذلك القاموس الذي زاد من ثراء المفردة وحوّلها إلى هاجس مبثوث في ثنايا الكلام كاستشهاده بما جادت به المعاجم مثل قوله سمي البحر بحراً لاستبحاره وأبحر القوم أي ركبوا البحر والبحرة هي الفجوة المتسعة من الأرض والبحيرة هي الناقة وأيضاً البحر عند صاحب المعجم المفهرس لآيات القرآن الكريم هو الماء الكثير ملحاً كان أو عذباً، وجمعه بحور وأبحر وبحار .
ويزيد الأسود في استجلائه لمفردة البحر في اللغة والقرآن والحديث والنثر العربي والشعر العربي والجاهلي والإسلامي وغير ذلك .
إذا كان الماء يشكل ثلاثة أرباع اليابسة، فنحن العرب مقلون جدا في استثماره في الأدب، لا بل إن آدابنا في عمومها أصبحت اليوم آداباً عطشى، تمتح من صحراء يأسنا الاجتماعي والمعيشي، فهل نرطب إبداعاتنا بقليل من الماء؟ .