عادي
نفته السياسة وقتله الطاعون

محمد بن لعبون أشهر شعراء النبط في الخليج

03:19 صباحا
قراءة 8 دقائق

الصدق يبقى والتصنف جهالة كان هذا المقطع يتردد كثيراً في إحدى أغاني المطرب الكويتي محمد المسباح خلال الثمانينات من القرن الماضي، ولا يعرف الكثيرون أن هذا مقطع لبيت من الشعر النبطي لأهم شعراء منطقة الخليج، وهو محمد بن لعبون الشاعر النجدي الذي عاش جزءاً كبيراً من حياته في مدينة الزبير بجنوب العراق، وكتب أجمل قصائده قبل نفيه إلى الكويت من قبل حاكم الزبير ليموت بالطاعون في المنفى وهو في الأربعينات من عمره .

ولد شاعرنا محمد بن حمد اللعبون في مدينة ثادق، إحدى بلدات إقليم نجد في السعودية عام ،1790 وإذا كان أصبح شاعراً منذ بداية شبابه، فإن والده حمد اللعبون يعد من أهم مؤرخي نجد، وهناك فصل كامل عن حياة المؤرخ في كتاب علماء نجد خلال ستة قرون الذي أعده عبدالله البسام وصدر في أربعة أجزاء . واتخذت العائلة هذا اللقب بسبب طلق ناري أصاب أحد أبنائها في شدقيه، وبدا منذ تلك الفترة لا يستطيع التحكم بخروج اللعاب من فمه فسمي بن لعبون، وألف والد شاعرنا المؤرخ حمد بن لعبون كتاباً يتناول فيه تاريخ نجد خلال الفترة التي هجم فيها القائد المصري إبراهيم باشا على بلدات نجد وهدم مدينة الدرعية في بدايات القرن التاسع عشر .

عاش شاعرنا محمد بن لعبون طفولته وشبابه في بلدة ثادق ونشأ في حضن أبيه المؤرخ، وتعلم منه حب المطالعة والقراءة الأمر الذي أتاح الفرصة له ليطلع على معظم ما كان متوافراً في مكتبة أبيه الخاصة من كتب الشعر والأدب، ومن يقرأ شعر محمد بن لعبون بتأن يعرف مدى تأثير كتب التراث والشعر والأدب العربي على فكره . وعندما بلغ السابعة عشرة من عمره انتقل شاعرنا إلى بلدة الزبير ليبدأ مرحلة جديدة من حياته، حيث قضى معظم سنوات عمره هناك ونظم أجمل قصائده .

هناك عوامل كثيرة لعبت دوراً في إبداعات محمد بن لعبون، أهمها انتقاله من مدينته الصغيرة والمغلقة في نجد إلى إمارة الزبير التي كانت في تلك الفترة تشهد عصرها الذهبي في الازدهار الاقتصادي، كونها المحطة الرئيسة التي تنطلق منها قوافل التجار المحملة بمختلف أنواع البضائع القادمة إلى ميناء البصرة ومتجهة عبر طريق القوافل إلى مدينة حلب السورية ومنها إلى مختلف بلدان العراق . وكانت الزبير التي اكتسبت اسمها من وجود ضريح الصحابي الزبير بن العوام بها، إمارة تحكمها مجموعة من العائلات النجدية التي كونت لها مجتمعاً خاصاً بها في المناطق التي كانت تابعة للسلطة العثمانية في تلك الفترة، وأصبحت جزءاً من العراق خلال العشرينات من القرن العشرين . ورغم صغر سنه، استطاع محمد بن لعبون البروز كشاعر مهم على الساحة ينافس أهم شعراء الزبير في تلك الفترة، وهو عبدالله بن ربيعة .

في تلك الفترة، كانت هناك صراعات سياسية في الإمارة المزدهرة اقتصادياً، واستغل ابن لعبون في هذه الخلافات السياسية الناشبة بين مجموعتين قبليتين، الأولى يتزعمها آل عون ويقف معها ابن لعبون، والأخرى يتزعمها آل وطبان ويناصرهما شاعرهم المشهور عبدالله بن ربيعة، واستهلكت السنوات القليلة من عمر محمد بن لعبون التي قضاها في الزبير من عام 1807 إلى 1829 في حرب شعرية مع خصمه بن ربيعة، إلا أن هناك جانباً آخر من جوانب الشعر الجميل عند ابن لعبون وهو شعر الغزل، إذ أحب فتاة أشار إليها باسم مي، فلم تكن العادات والتقاليد في تلك الفترة تسمح بالبوح باسم الحبيبة، وجادت قريحته بقصائد كثيرة عن مي والأرض التي تعيش فيها ويقصد بها الزبير . ومن ضمن قصائد السجال بينه وبين عبدالله بن ربيعة قصيدة الصدق يبقى والتصنف جهالة التي يقول فيها:

يا عبيد من قصّت يمينه شماله

يشوف فعله ذاك عدل ولو مال

احسب رفيقي يستحي من ظلاله

وأثره إلى شاف المواليم خيال

يا بادي بالقول هذا بداله

قول بدل قول وما عوض مال

والكل منا لو يطاوع مقاله

القول واجد والحكي عند الأفعال

الصدق يبقى والتصنف جهالة

والقد ما لانت مطاويه بتفال

تقول عذراهم عسى الستر فاله

ما كل رجال أشوفه برجال

ما هو بفخر لك تتقي بجاله

أثرك صحيح مثل ما قال من قال

رجل تقضي للطرب من خواله

واعتادهم يبغي العشا قبل عبدال

وكان الحب في زمن ابن لعبون لا يتعدى نظرات إعجاب خاطفة تظل في وجدان المعجب شهوراً وربما سنوات، وفي أغلب الأحيان لا تتعدى ذلك لأن التجاوز يكون ثمنه باهظاً، واستطاع بن لعبون بخياله الخصب وإلمامه الكبير بمفردات اللغة الفصحى والعامية أن يتحفنا بالكثير من القصائد الجميلة التي تتردد على ألسنة المطربين والشعراء والعامة، وهناك قصائد استطاع ابن لعبون صياغتها أثناء حضوره مناسبة ما، أو رؤيته لحدث من الأحداث، ومن أجمل قصائده قصيدة كتبها أثناء جلوسه في متجر صديق له يعمل صائغاً للمجوهرات، ودخلت المحل فتاتان أعجب الصائغ بإحداهما عندما انسدل الخمار عن وجهها، وكان هذا الصائغ اسمه ابن جلق ومن شدة إعجابه بالفتاة أخذ يطرق بالمطرقة على يده حتى أدماها . وكانت هذه مناسبة ليقول فيها بن لعبون:

ما طرق فوق الورق يا بن جلق

زور كف فوق كف ما يليق

كلما هب الهوا له واصطفق

حمّله بفراقهم مالا يطيق

حته المظنون به حت الورق

من شفا روح عليهم في مضيق

تنتحي رايات حربه وانخنق

مع نظير العين في طق وطقيق

ادعته غمس الليالي مطرّق

للعدد وان مرّ في ثوب الصديق

لو رموها بالحرق عقب الغرق

ما سلت بابن جلق عن ذا الطريق

ونجد في قصائد ابن لعبون الكثير من الدمج بين حبيبين:، مي التي تزوجت أحد شيوخ القبائل ومدينة الزبير التي عاش بها 22 عاماً، لذلك نرى دائماً في شعره ذكر دار مي وديار ابن العوام ويقصد بها بلد الزبير بن العوام إضافة إلى ذكر شواهد أخرى مثل سنام ويقصد به جبل سنام . يقول في إحدى قصائده لمي وصديقاتها:

اسأل الأطلال عن سود الحدق

حيث علمك بالطلل علم وثيق

ما عليك ان خلت براق برق

من ثنايا دار اهل وادي العقيق

قانيات العاسهن مثل الدنق

زرقة واجياد تلعات عنيق

محصنات ما علقهن الدبق

ما كشف غراتهن كود الابريق

خيلهن تشربك يا حلو المرق

جيشهن ياكلك كالخبز الرقيق

راكبات في طبق عالي طبق

من زعانيف الهوى قلبي خفيق

رحت ألومه من هواهن وانطلق

مدمع له سال من بحر عميق

ومن أجمل قصائد ابن لعبون، قصيدتان يبدأهما بعبارة منازل مي ويشير فيها إلى اثنين من معالم مدينة الزبير التي يقصد بها منازل مي، المعلم الأول هو قبة حسن ويقصد بها ضريح العالم الشهير الحسن البصري، والثاني قبر طلحة ويقصد به ضريح الصحابي طلحة بن عبيد الله، وكلاهما مدفونان هناك، اخترنا هذه الأبيات من هذه القصيدة التي يقول فيها:

يا منازل مي عن قبة حسن

من يسار وعن قبر طلحة يمين

في ربوع كل ما فيها حسن

في ديار كل ما فيها حسين

غرين شموسها واغلنطسن

موشحات ما يبات بها أمين

دار مي يوم مي لي تسن

سنّة العشاق عونك يا عوين

غنجة العينين والحد الحسن

والقوام ان قام عود الياسمين

عذلاتي في هواها وابخسن

هالخبر ماهوب من ذاك العجين

الزهيري

الزهيري ضرب من ضروب الشعر العامي، ونشأ هذا اللون من الشعر في البصرة والزبير ثم انتشر في الكويت ودول الخليج وبعض الدول العربية، وينسبه البعض إلى قبيلة الزهيرات في العراق، بينما ينسبه آخرون إلى أحد شيوخ الزبير الشيخ عبدالرزاق الزهير . ومعظم الشعراء الشعبيين ينظمون هذا اللون من الشعر الذي يمتاز عن غيره بعدة نواحٍ منها أنه شعر نظم بالدرجة الأولى ليغنى وأنه مؤلف من عدد محدود من الأسطر على وزن البحر البسيط، وهو إما من أربعة أسطر أو خمسة أو سبعة، وبرع ابن لعيون في هذا النوع من الشعر، وهناك زهيرية جميلة يقول فيها:

لا تعاج الغادرة وتريد منها علاج

ديغان تنصب على جو الضمير علاج

كم عالجوا قبلك أهل الحصون علاج

تالله ياما أفنى الزمان من مثلهم عاطات

وشربت من كاسات الصبر غاطات

غلق على القلب من هم الصفا غاطات

مايفيد غير الصبر للزمان علاج

المنفى

وقع ابن لعبون ضحية الخلافات السياسية بين الأسر الحاكمة التي حكمت إمارة الزبير، وكان هناك صراع علي الحكم بين ثلاث عائلات هي الراشد والثاقب والزهير، ووقعت جرائم قتل بين الفرقاء . وخلال ال22 سنة التي أقام فيها ابن لعبون في الزبير، توالى على حكمها 7 حكام، ونظراً لدخوله في اللعبة السياسية وإلقاء قصائد مدح في بعض الحكام، دفع الثمن فيما بعد عندما تولى الحكم الشيخ علي بن يوسف الزهير الذي أمر بنفيه واتجه للإقامة بالكويت عام 1829م، ويقال أيضاً إن نفيه كان بسبب بعض قصائده التي لا تناسب طبيعة المجتمع المحافظ . ويبدو أن ابن لعبون تعود على الزبير التي عاش فيها سنوات شبابه إضافة إلى حبه لمي، ولذا نجد قصائد كثيرة تبين لوعته لفراق الحبيبين، ومن المعروف أن الشعراء تجود قرائحهم بأجمل القصائد في أوقات المعاناة، وكان النفي سبباً في إطلاق ابن لعبون لأجمل قصائده، منها قصيدة يشتكي فيها للأمير أحمد السويدي ما يعانيه في منفاه من اكتئاب وشوق ويتذكر أيام الرخاء التي عاشها بالزبير وشظف العيش في منفاه، ويقول في هذه القصيدة:

ياهل العبرات عن دار التلاف

من عفا الله عنه يردف له رديف

عن ديار كل مافيها يعاف

ياركب ويلاه من سيف كسيف

حيث ناس عقب أهل مي نشاف

يطبخون الزاد بالماي النظيف

من عقب زل الزوالي واللحاف

والمخدة جوخ حطوا لي سقيف

شف منازل مي في ذيك الحضاف

ياطراش أن كان يحتاج تعريف

ذا مصب الماء وهذاك الرفاف

والحرم هذا وهذاك المضيف

موحشات كل مافيها يخاف

مهرة الخيال فيها ماتقيف

يالطيف من حكاياه اللطاف

سمني لعيونها عبداللطيف

كانت رحلة المنفى بالنسبة لابن لعبون رحلة قاسية، فبعد نفيه للكويت، حاول التكيف مع البيئة الجديدة، ويبدو أن الوضع لم يناسبه، فسافر إلى الهند لزيارة عمه الشيخ ضاحي العون رجل العرب في الهند، ولكنه بعد فترة قصيرة غادرها إلى البحرين وهناك التقى بشاعرها الثري عبدالجليل الطبطبائي، ولكن في النهاية رجع بن لعبون إلى منفاه في الكويت، وخلال تلك الفترة نظم الكثير من قصائده، ومنها هذه القصيدة:

ياخفي اللطف لطفك ياكريم

ترحم اللي اليوم عجز لا يقوم

مستهام لا ينام ولا ينيم

من سراميد الثماني والحلوم

مغرم في وادي الحبابه يهيم

يسأل أطلال المنازل والرجوم

كلما ناحت حمامات الصريم

في مغاني مي ناوحت الهموم

ماورا مير انت يالماشوم شيم

عن ديار جعل ساكنهن بوم

كم عذلني فيك أفاك أثيم

سامري مايروم اللي تروم

كل عين شوفها صاغ سليم

من سنانك ياعلي فيها هزوم

بعد سنتين أو أكثر قليلاً من إقامة ابن لعبون من في منفاه بالكويت، هجم وباء الطاعون على الكويت خلال عام ،1831 وراح ضحية ذلك الوباء مئات الكويتيين وهو من بينهم الشاعر . وكان الوباء انتقل إلي البصرة والزبير وانتشر بسرعة مذهلة في بقية مدن العراق حتى قضى على معظم سكان بغداد عام ،1834 ومن أجمل قصائد ابن لعبون قصيدة يامنازل مي في ذيلك الخروم . ويقول فيها:

يامنازل مي في ذيك الخروم

قبلة الفيحا وشرق عن سنام

ياسراب عن جوانبها يحوم

طامخات مثل خبر في يدام

يستبين بها الخبير بها الرسوم

دارسات كنهن دق الوشام

مابكت فيها من الفرقا غيوم

من نظير العين إلا عن عزام

من هموم في قلوب في جسوم

في بيوت في ديار في عدام

غيرت فيها تصاريف النجوم

وابدلت فيها بعين ماتنام

عوضت عنها الظعاين بالهدوم

وانتخاب البوم عن سجع الحمام

كل عيش غير عيشك مايدوم

يوم وصلك بالكرام والكرام

إسأل الأطلال عنهم ياغلوم

يخبرونك وابعيني ياغلام

كيف ابا اسأل من تحت ذيك الرجوم

صامتين مايردون السلام

يوم مي تحسب الدنيا تدوم

وإن عجات الصبي دوم دوام

في نعيم تحسبه لزماً لزوم

مثل منزلنا على ديم الخزام

يوم هي توريك خد به وشوم

يفضح البراق في جنح الظلام

داعجات غانجات لوتروم

كنهن في كنهن بيض النعام

هل غريم الشوق يشبع منك يوم

شبعة المسكين بأيام الصرام

أو تلمين الشمل لم الهدوم

ياليالي السعد عودن بالتمام

أو تردين البعض ذيك الهموم

والعرب والكل في ذيك الخيام

قالت اللي فات ماهب معلوم

ردته لك وأنت سالم والسلام

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"