لم يحظ أي حقل من حقول المعرفة بظروف عدم اليقين مثلما حظي موضوع النفط والغاز، فمن حيث الأصل وظروف التكوين مازال منتدى للجدل بين العلماء، ومن حيث النضوب من كوكب الأرض مازال غيباً غير مؤكد وغير مقروء .
ويتوافر الغاز الطبيعي بكثرة في جميع أنحاء العالم تقريباً، وذلك في مكامن خاصة أو بشكل مصاحب للنفط، وقد تمت اكتشافات ضخمة في الولايات المتحدة وأوربا والصين .
وتملك دول منطقتنا احتياجات مؤكدة وكبيرة من الغاز الطبيعي وأخذت تضخ إمكانيات الغاز كمصدر عالمي وإقليمي في مجال الطاقة المتجددة في العالم .
ويعتقد أن 41% من احتياجات الغاز العالمية المؤكدة تقع في منطقتنا، إلا أنها تتركز بصورة رئيسية في دولة قطر، حيث يعتبر حقل الشمال منها اكبر حقل للغاز الطبيعي غير المصاحب والمسال في العالم .
ومن خلال قراءة متأنية لخرائط جغرافيا الطاقة في العالم يسهل علينا الاستنتاج أن سوق الغاز الطبيعي مرشحة للانتعاش، وهذا يؤدي إلى تحول أساسي في صناعته وإنتاجه، وهذا ما تستعد له الدول والشركات الكبرى من أجل تهيئة العالم لدخول عصر الاقتصاد الأخضر .
لذا قامت كل من دول المنطقة والشركات العملاقة بتطوير استراتيجيات مستقبلية لتلبية تزايد الطلب العالمي على الغاز الطبيعي، فبدأت الشركات بوضع الخطط وتنفيذها لخفض تكاليف التشغيل بالاعتماد على توظيف الكفاءة والابتكار خاصة في قطاع الموارد البشرية .
فتم استثمار مليارات الدولارات في مشروعات اكتشاف الغاز من مكامنه وتطوير تقنيات حديثة لاستغلال الغاز المصاحب للنفط والاهتمام بمشروعات إسالته .
ويتوقع أن يرتفع الطلب على الغاز الطبيعي بما لا يقل عن 100 مليار قدم مكعبة يومية، وسوف يدفع هذا الطلب المتزايد الأسعار صعوداً، فحسب تقارير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية وصول الأسعار إلى 8 دولارات أمريكية لكل مليون وحدة بريطانية بحلول عام ،2050 فيما يبلغ التعادل الآن ما يقارب 5-6 دولارات أمريكية لكل مليون وحدة .
ويفترض أن ينمو الطلب على الغاز بمعدل سنوي مقداره حوالي 2-3% عالميا بشكل متوازن مع حالة الاقتصاد العالمي .
ومع ذلك كشفت الدراسات الميدانية أن أسواق منطقتنا الغنية بالغاز مازالت تواجه شحا في الإمدادات المحلية بسبب اعتماد بعض الدول للدعم السعري الحكومي إلى جانب بعض الخلافات السياسية ونزعة الحكومات والشركات نحو التصدير من أجل تحقيق الربح السريع، إضافة إلى أن البنى التحتية الإقليمية لنقل الغاز الطبيعي بين دول منطقتنا تتميز بالمحدودية .
لذلك لكل الأسباب مجتمعة لم يستفد اقتصاد منطقتنا من تلك المادة الحيوية والمهمة في مجال الطاقة .
ويؤكد العديد من الجيولوجيين العاملين في منطقتنا وجود مصادر ضخمة من الغاز الطبيعي لم تظهر بعد .
لكن أدت الاكتشافات العديدة لمكامن الغاز الطبيعي في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط مع النفط العديد من الإشكالات لدول المنطقة وأظهرت عورات النظام السياسي الإقليمي فيها، حين تجلت الشروط الإسرائيلية المجحفة عند البدء بتطوير حقل غزة مارين في المياه الإقليمية الفلسطينية، حيث أصرت الحكومة الإسرائيلية على أن يصل الغاز المستخرج من تلك الحقول إلى مدينة عسقلان أولا ومن ثم يعبر إلى غزة بحيث تستطيع إسرائيل الاستفادة من الكمية التي تريدها وبالأسعار التي تحددها حسب أولوياتها الاقتصادية المرحلية ولم يستفد أبناء غزة كثيرا من هذا الاكتشاف . وفي الحالة الثانية حول المعلومات المركزة المتداولة عن الاكتشافات الضخمة التي حققها كونسر تيوم بقيادة شركة نوبل انرجي الأمريكية لحقل تامار في كانون الثاني/ يناير 2009م، حيث يقع الحقل الأساسي منه على بعد نحو 35 كيلومتراً جنوب المياه اللبنانية ومازالت عمليات استثماره وتطويره جارية حالياً، ولقد أظهرت الاختبارات الجيولوجية الميدانية أن حقل تامارا له امتداد صخري مع المياه اللبنانية .
وامتدت القصة حتى وصلنا إلى أوائل حزيران/يونيو 2010م، حيث عثر كونسر تيوم نوبل انرجي على حقل غاز ليفاتيان في المياه الإقليمية الفلسطينية تجاه حدود المياه القبرصية، وبشكل قريب جدا من المياه الإقليمية اللبنانية، وتقدر احتياطيات هذا الحقل ب 16 تريليون قدم مكعبة .
ومن المتوقع أن تستمر اكتشافات الغاز الطبيعي ولن تأخذ مداها في المياه الإقليمية على شواطئ سوريا ولبنان وفلسطين على البحر المتوسط وخاصة بعد الاكتشافات الضخمة للغاز في المياه الإقليمية المصرية على البحر نفسه، حيث تواصل الشركات العالمية حملات استكشاف واسعة في شرق البحر الأبيض المتوسط، ومن المتوقع أن يصل التنقيب إلى أعماق قياسية لكن يظل ضمن حدود الجدوى الاقتصادية والبيئية بفضل التقنيات الحديثة للحفر في المياه العميقة .
كما ثبت أن حقل تامار في فلسطين تركيبه الصخري الرئيسي للبئر يبعد فقط 35 ميلا جنوب المياه اللبنانية، بينما يمتد تركيبان صخريان صغيران لداخل الأراضي اللبنانية .
ويتوسع استخدام الغاز الطبيعي عالميا كأحد مصادر الطاقة نتيجة الاهتمام المتتالي بالقضايا البيئية لأنه يعتبر خيارا نظيفا لمستخدمي الطاقة في العالم، حيث انه لا يولد إلا نصف ما يولده النفط من انبعاثات الكربون للجو، ويستخدم الغاز الطبيعي في منطقتنا الآن وقودا لمحطات توليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه وصناعة الأسمدة والبتروكيماويات .
لكن في الوقت الراهن من غير المتوقع أن تقوم سوق عالمية حقيقية لمنتجي ومصدري الغاز الطبيعي على غرار النفط ك منظمة أوبك إلى أن يتحقق المزيد من المرونة في إمدادات الغاز وتتطور البنى التحتية اللازمة لنقله بين مختلف مناطق العالم وبفتح السوق للمنافسة العادلة .
إن الطاقة بكل أشكالها أمر حيوي للعالم ولاستمرار نموه وعلى دول منطقتنا المحافظة على ثرواتها واستغلالها بشكل آمن لتكون عاملا جاذبا للاستقرار وألا تكون هدفا للطامعين وتتحول مواردنا الطبيعية لحزام قابل للتفجير يحيط بدولنا .
وهذا يتطلب من حكومات المنطقة إتباع الإدارة الدولية الذكية للموارد التي تعتمد على التكامل وليس التنافس للوصول إلى التعاون العالمي الذي هو الآن شعار الاقتصاد الجديد من أجل أن نفتح آفاقاً واسعة أمام شعوب منطقتنا للتقدم والتطور وحل الأزمات .
خبير في شؤون الاقتصاد والبيئة