عادي
ترشح لأربع جوائز «جولدن جلوب»

«الباباوان».. تفاصيل ممتعةمن كواليس وقلب الفاتيكان

03:05 صباحا
قراءة 4 دقائق
مارلين سلوم

من عنوانه، يهيأ لك أنك ستشاهد فيلماً وثائقياً، أو دراما تجسد سيرة البابا بنيديكيت السادس عشر، وخليفته البابا الحالي فرنسيس، المعروف عنه أنه بابا التسامح والحوار بين الأديان، والانفتاح على العالم، والذي زار الإمارات في فبراير/ شباط الماضي ليوقع في أبوظبي مع شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، وثيقة «الأخوة الإنسانية» التي تتضمن عدداً من المبادئ الأساسية لنشر التسامح والسلام بين أبناء الديانات المختلفة حول العالم.
حين تشاهد «الباباوين»، تستوقفك السلاسة في تقديم تلك المرحلة المهمة في الفاتيكان، والعلاقة السائدة بين «الباباوين» السابق، والحالي، والجمال في التصوير، والأداء للبطلين، وروح الكوميديا التي تجعل من العمل قطعة فنية لا تمل من مشاهدتها، رغم امتدادها إلى الساعتين، وخمس دقائق.
«الباباوان» ليس فيلماً عابراً، أو «خاصاً»، إنما هو عمل يجذب المشاهدين من كل الفئات، ويستحق المشاهدة، لما فيه من إبداع في الأداء الرائع للنجمين أنتوني هوبكنز، بدور البابا الألماني بنيديكت السادس عشر، وجوناثان برايس، المتألق بشخصية الكاردينال الأرجنتيني خورخي بيرجوليو الذي أصبح البابا فرنسيس، والإخراج المميز للبرازيلي فيرناندو ميريلس الذي شارك في كتابة السيناريو مع أنتوني مكارتن مؤلف «بوهيميان رابسودي»، و«نظرية كل شيء».
وربما استغرب البعض ترشيح الفيلم لأربع جوائز «جولدن جلوب»، إلا أنه يستحقها وأكثر.
لا يجعلك ميريلس تتساءل كثيراً عن الحقيقة في الرواية لتميزها عن «البهارات» التي تمت إضافتها من أجل الحبكة الدرامية. فالفيلم يعتبر كتلة واحدة، تصدقها من ألفها إلى يائها، تمشي مع أحداثها، تستمتع بتفاصيلها التي تأخذك إلى قلب الفاتيكان وكواليس عملية الاقتراع لانتخاب بابا جديد، وبالحوار والتسلسل المنطقي للأحداث، علماً بأن ميريلس يعيدنا ببراعة، ومن دون تشتيتنا، إلى الوراء بين الحين والآخر، وفي مواقف عدة؛ مرة للتعريف بنشأة الكاردينال خورخي بيرجوليو، ومرة لأحداث مهمة من مرحلة شبابه والمعاناة التي عاشها أثناء توليه مسؤولية الآباء اليسوعيين عام 1976 وقد أدى دور الكاهن بيرجوليو الممثل خوان مينوخن.
«الباباوان»، عنوان يشمل المرحلة الانتقالية منذ وفاة البابا يوحنا بولس الثاني، وانتخاب الكاردينال راتزينجر بابا حمل اسم بنيديكيت السادس عشر، وصولاً إلى تقديمه استقالته، وهو أول بابا يقدم استقالته منذ أكثر من 600 عام، وأول مرة يكون هناك «باباوان»، سلف، وخلف، على قيد الحياة، واختياره الكاردينال بيرجوليو ليحل مكانه حاملاً اسم البابا فرنسيس.
مضمون الفيلم، أو بالأحرى القصة، ينطلق من خورخي بيرجوليو، ويعود إليه، ليحمل الممثل جوناثان برايس العبء الأكبر ويكون المحور الأساس في الفيلم. هذا ما أراده المؤلفان مكارتني وميريلس، إنما اختيار نجم من وزن أنتوني هوبكنز يصعّب المهمة على أي ممثل يقف أمامه، فهو يملك من الكاريزما والعبقرية في الأداء، ما يجعله حاضراً بقوة في أي عمل يشارك فيه، حتى إن كان عدد مشاهده أقل من عدد مشاهد شريكه في البطولة جوناثان برايس.
هوبكنز مقنع جداً بدور البابا بنيديكت، في وجهه مزيج من اللؤم والخبث والحيرة والقلق والطيبة والاستسلام؛ مشيته، نظرته، كل ما فيه يجعلك تصدقه.
جوناثان برايس هو أيضاً ممثل «من الوزن الثقيل»، تألق في فيلم «الزوجة» 2017 ويؤدي في هذا الفيلم أحد أجمل أدواره، بشخصية ليست سهلة، خصوصاً أن صاحبها ما زال على قيد الحياة، وقادراً على الحكم على الأداء، فضلاً عن أن البابا فرنسيس له شعبية واسعة حول العالم، ومحبوب جداً، وليس من السهل إقناع الجمهور بممثل يجسده على الشاشة، وبمضمون الشخصية وتفاصيلها. لذا يمكن القول إن برايس اجتاز الاختبار بامتياز، ونال رضا الجمهور والنقاد، وشكّل ثنائياً ناجحاً، وقوياً، وظريفاً، مع أنتوني هوبكنز.
الصورة جميلة ومبهجة تميل إلى الفرح، والكوميديا، والبساطة، رغم فخامة الأماكن. ميريلس تميز بتقديم صورة مصغرة ودقيقة عن كيفية تصويت مجمع الكرادلة في الفاتيكان لانتخاب بابا روما، وما هو الدخان الأبيض الذي ينتظر رؤيته الناس والإعلاميون في الخارج، كإعلان عن إتمام العملية الانتخابية، والإعلان الرسمي عن اسم البابا الجديد. كذلك اهتم المؤلفان بتقديم نماذج حية، وأمثلة تدل على مدى شفافية البابا فرنسيس منذ طفولته، وكيف كان راغباً في تقديم استقالته ككاردينال ليعود كاهناً عادياً في خدمة رعيته، ومدينته بيونس أيرس. كاردينال شديد التواضع، يحمل حقيبته بنفسه أثناء سفره، يجلس بجانب السائق، يتحدث إلى العامل، والبقال، والمزارع، والحارس، يسألهم عن أحوالهم وعملهم. يمازح الناس في الشارع، يدندن الأغاني، يضحك، يحب كرة القدم. وكان يقول قبل توليه مهامه الباباوية: «أن تكون بابا يعني أن تكون شهيداً».
ومن مميزات ميريلس أنه لم يقدم البابا فرنسيس كأنه ملاك على الأرض، بل تعمد تسليط الضوء على مرحلة ماضية من حياته، حين كان مسؤولاً عن مجموعة من الآباء اليسوعيين، والأخطاء التي ارتكبها وقت الحرب، وكان يحسب أنه يحمي الكهنة من بطش السلطة، بالاتفاق مع قادتها سراً، وبقي ضميره يؤنبه رغم تطمينات البابا بنيديكت له.
المشاهد الإنسانية كثيرة، والمشاهد الكوميدية الطريفة كثيرة أيضاً، ولعل أجملها آخرها، حيث يشاهد «الباباوان» مباراة كرة القدم بين ألمانيا والأرجنتين.
من الطبيعي أن يتجنب المخرج الدخول في تفاصيل القضايا الشائكة والفضائح التي تسببت بأزمات داخل الفاتيكان ما بين 2005 و2012، إنما ذكرها بشكل عابر، وشدد فقط على اللقب الذي أطلقه البعض على البابا بنيديكت «النازي»، والأسباب الحقيقية التي دفعته إلى تقديم استقالته، لكنه دخل في تفاصيل أخرى، مثل الحيرة التي عاشها هذا الأخير قبل اتخاذه القرار النهائي بالتخلي عن منصبه، والعلاقة التي نشأت بينه وبين بيرجوليو وتحولت إلى صداقة.

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"