عادي
تمزج الصوت والصورة والحرف

الفنون المعاصرة . . فضاء مغاير من التعبير الحر

04:55 صباحا
قراءة 4 دقائق
الشارقة - عثمان حسن:
الفن المعاصر هو فن ما بعد الحداثة بصيغ نقدية مختلفة، وجد الفنان العالمي والعربي نفسه مدفوعا إليه، بعد أن تداخلت المفاهيم، وطرحت أسئلة كثيرة في الواقع والمجتمع، وانفتحت على علوم الأنثروبولوجيا وتاريخ الفن والفلسفة ومجتمع ما بعد الصناعة، في هذا السياق نشير لكتاب مارغريت روز "ما بعد الحداثة . . تحليل نقدي"، ترجمة أحمد الشامي، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 1994 وغيره من الكتب، التي تسعى لتصنيف المراحل التاريخية في الفن، واتجاهات هذه الفنون وذلك في القرنين التاسع عشر والعشرين، وفي الوقت الذي بدأ فيه الفن الحديث ما بعد عام 1863 حتى ستينيات القرن الفائت، تم التأريخ للفن المعاصر -ما بعد الحداثي- بوصفه يضم اتجاهات ما بعد الستينيات وبدايات القرن العشرين .
بهذا المعنى صارت فنون ما بعد الحداثة، تلخص التيارات الفنية في الغرب في الفترة المشار إليها، ويشمل ذلك فنون العمارة والتشكيل، مروراً بفن الأداء والتراكيب ونظام الفيديو آرت وغيرها، وهو الذي خرج من إطار اللوحة المسندية، نحو أفق من التعبير الحر التي تتفاعل معه الحواس ما بين اللغة والصوت والصورة والشكل والحرف والمشهد . . إلخ، وهذه التوليفة خضعت لمفهوم التجريب والبحث المتواصل عن ابتكارات جديدة في المجالات الآنفة، وربما كان يتم الخلط بين عدة أنظمة فنية في العمل الواحد، كالفن والتصوير والمسرح والصورة والحفر والطباعة والموسيقى، وصولاً إلى "الفيديو"، حين بدأ استخدام الكاميرا المحمولة لإنتاج عمل فنّي في مجال الفنون التشكيليّة ضمن تيّارات الفن المعاصر، حيث تدين ظاهرة فن الفيديو لمسألة التطور التقني في أدوات العرض التلفزيونيّة والتجارب الفنيّة السينمائيّة .
لم تكن الإمارات بعيدة عن هذا الحراك الفني المعاصر، بل إن فترة ما قبل منتصف الثمانينيات وما بعدها كانت تتجه بقوة نحو تطوير آليات ومشاريع وتراكيب جديدة في الفن، ومنها ظاهرة المفاهيمية في الفن، وهو فن اشتغل عليه الرائد حسن شريف الذي شكل في حينه صدمة لمتعاطي الفنون وتغييرا واضحا في تلقي الخطاب الفني، وقد اشتبك شريف مع مفهوم الفن المعاصر، ليصبح من أكثر الأسماء إثارة للجدل مستخدما تقنيات وتراكيب ونظم فنية يحاكي من خلالها جميع المدارس، ويخاطب أكثر من زمن ومرحلة، وبمرور السنوات يتبنى جيل جديد مثل هذه الأفكار مثل ابتسام عبدالعزيز وليلى جمعة وخليل عبد الواحد وغيرهم، وصولاً إلى الجيل الحالي المتخرج في كليات الفنون والذي يغوص في تجارب جديدة تتخذ من تناقضات الراهن المشحون بالحداثة وبالتوترات والحروب والأمراض ومخلفات النفايات وغيرها موضوعات حيوية يحاكي الفنان من خلالها قيم الجمال برؤى مختلفة وجديدة .
يمكن هنا، الإشارة إلى ما كتبه الناقد والمثقف علي العبدان وبرز في كتابه "القرن الجديد: اتجاهات الفن التشكيلي في الإمارات بعد عام 2000"، ويقول علي العبدان: "تجربة الفن التشكيلي في الإمارات تجربة غنية وثرية ولها خصوصية وتميز بأسماء روادها وأعمالهم واتجاهاتهم الفنية، لكنها لم تحظ بدراسة وتمحيص يستوعبان حجم التجربة، فهناك كتابات كثيرة لكنها لا تشبع نهم القارئ المتفحص، ولا تقدم صورة متكاملة لمشهد الفن التشكيلي الإماراتي وهذا ما دفعني، إلى تأليف هذا الكتاب لسد الثغرات الحاصلة، ولرفد الساحة الثقافية بعمل يقدم صورة أكثر تناسقاً مع تطور الفن" .
ظهرت المفاهيمية في الفن الإماراتي في إعمال محمد كاظم، وعبدالله السعدي وابتسام عبدالعزيز، وليلى جمعة، وغيرهم، ومعروف أن هذا المصطلح الذي تأصل في الستينيات كان يقوم على ترجمة الفنان لفكرته باستخدام أي وسيط يراه مناسبا، تحت فهم جديد يتجاوز المفهوم الجمالي نحو التفكير من خلال الفن وهو امتداد طبيعي لتطور اللوحة، كما أنه نتاج تفاعل المبدع مع مجتمعه وقضاياه المطروحة، والتعليق عليها من خلال الفن، وترك مساحة أو بعداً إضافياً ثالثاً يسمح للفن بحرية المناورة واقتراح توجهات جديدة من خلال الفن .
ابتسام عبدالعزيز مثلاً غالباً ما تتحدث عن تجربتها الفنية مؤكدة على المفاهيمية بوصف المفهوم هو العنصر الأساسي في بناء العمل الفني، وهو المحرك لهذا الفن وهي غالباً ما تستخدم الصورة الفوتوغرافية كمادة لتوثيق أعمالها الأدائية وحتى الأعمال المتعلقة بفن البيئة، والعمل التركيبي كما تلجأ إلى فن الفيديو، وغيرها من الوسائط، في حين تلجأ ليلى جمعة إلى النظم الهندسية باستخدام علوم الرياضيات، وفي تجربتها ثمة تركيز على تفاصيل من فن العمارة كالكتل والخطوط والظلال والأبعاد الهندسية، وبعض الفنانين ومنهم محمد كاظم يرى أن المفاهيمية هي الأقرب إلى وجدان الناس، والأكثر ملامسة لحياتهم ومشكلاتهم، وهو يرى أن أعمال ما بعد عصر الفنان العالمي مارسيل ديوشامب في ستينات القرن الفائت، هي أعمال تتسم بطبيعة مفاهيمية، وهي وجهة نظر مثّلها ولو بشكل فردي الفنان جوزف كوزوث .
وكاظم يعكس هذه الرؤية في مشاريعه الفنية الحالية والمستقبلية، كما يقدم هو بنفسه قراءة في أحد تجاربه الفنية، ليكون على صلة أوسع بجمهور المتلقين ومتذوقي الفن، وهو بهذه القراءة يمارس دور الناقد، والمقيم لأعماله هو، كما يتبنى وجهة نظر فنية يدافع عنها بقوة، في الوقت الذي يعمق ثقافته بكثير من الاطلاع والمشاركة والتجربة الحثيثة داخل حدود الإمارات وخارجها .
تحركت آلية الفن المعاصر في التشكيل الإماراتي، لتتناول موضوعة التراث والمعاصرة ولتؤكد على أن التراث قابل لإعادة اكتشافه من خلال الفن المعاصر، بل هو في الأصل مادة من مواد الفن، وفي هذا السياق يمكن الإشارة لتجربة مطر بن لاحج الذي يعتقد دائماً بدور الفن وقدرته على تنمية الذائقة الجمالية للفرد بوصف هذا الفرد عنصرا فاعلا في حيز كبير هو المجتمع .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"