تتعاظم أهمية الصراع والتنافس على مدينتين عراقيتين، حتى أضحى الآن محتدماً وشديداً، تارة بين القوى السياسية المتنازعة على السلطة، وتارة بين قيادات الطوائف والاثنيات التي يزخر بها العراق لحسم العائدية التاريخية، وأخرى بين دول الاقليم لتحقيق موطئ قدم ومناطق نفوذ في العراق الذي يشهد تراجعاً خطيراً في مستوى المحافظة على كيانه السياسي أمنياً.
وإذا كان الصراع المحلي في البصرة يكتسب طابعاً ساذجاً وسطحياً وموتوراً، فإن الصراع في كركوك يكتسب أهمية خاصة ومصيرية، فهو في بعده المكاني يتخطى حدود الإقليم العراقي ليشمل دول الجوار العراقي التي يتواجد فيها الأكراد بنسب متفاوتة، وفي بعده الزماني يتجاوز المرحلة الراهنة ليؤسس للمراحل اللاحقة التي تكون فيها الظروف مهيأة لإعلان دولة كردستان العظمى التي يسعى القادة الأكراد لتحقيقها منذ زمن بعيد، وفي بعده الاستراتيجي ليس مجرد التوقف عند حدود عائدية محافظة الى إقليم داخل دولة، بل يهدف الى تغيير الخارطة السياسية لدول الإقليم الأربع (العراق وتركيا وإيران وسوريا) التي استقرت عليها منذ قرون عدة وإعادة رسمها بما يتوافق مع خارطة كردستان العظمى ووفقاً لحق تقرير المصير الذي أقرته القوانين الدولية.
نعم إن حق تقرير المصير شرعة دولية أقرتها الأمم المتحدة ولكن لمن؟
أليس للشعوب الرازحة تحت الاحتلال والسيطرة الأجنبية، فكيف يمكن تبويب الوجود الكردي والتعايش الأخوي المشترك مع بقية القوميات والطوائف الذي يمتد الى نحو 8000 عام بأنه وجود تحت السيطرة الأجنبية؟ وإذا كانت كركوك التي تقع على أطلال المدينة الآشورية القديمة ارابخا (عرفة) الذي يقدر عمرها بحوالي 5000 سنة، كانت موضع صراع في السابق بين ثلاث أمبراطوريات معروفة هي البابلية والآشورية والميدية والتي تحولت الى عاصمة الميديين بوصف العديد من المؤرخين الكرد، فإن ذلك التاريخ وتلك الواقعة لا ترتب حقوقاً مكتسبة، لأن الكثير من الحواضر اليوم كانت بالأمس ضمن حدود إمبراطوريات أو دول أخرى، وإذا كان ذلك الصراع قد أبقى كركوك الى اليوم ضمن خارطة العراق السياسية.
لذلك ينبغي حسم مسألة وضع مدينة كركوك من خلال صيغة سياسية للتعايش الأخوي مثلما كانت تعرف تاريخياً بمحافظة التآخي، وليس من خلال استفتاء يجرى بشكل متعجل وقد يفجر العنان لموجة من الاضطرابات ويسحب الدولة العراقية برمتها الى مداخلات إقليمية غير قادرة على مواجهتها بالمرة، كالتي حصلت لدى الاجتياح التركي للقرى الحدودية العراقية قبل عدة اسابيع والتجاوزات الإيرانية التي راح ضحيتها العشرات من الأبرياء الكرد.