عادي
تتوقع أحداثه ولا يفاجئك المخرج أو الكاتب بما يبهرك

«الخلبوص» فيلم استهلاكي يضاف إلى قائمة «النسيان»

02:21 صباحا
قراءة 5 دقائق
مارلين سلوم

تقفز الأرقام أمام عينيك متجاوزة سقف الملايين خلال أيام، وهنا نتحدث عن بورصة إيرادات وملايين الجنيهات التي تعود من الأفلام على صناع السينما المصرية، وتستوقفك خصوصاً بعد مشاهدتك لفيلم مثل «الخلبوص» الذي يعرض حالياً في الإمارات، تربط بين الأرقام، وما تحكيه المواقع الإلكترونية والأخبار عن «نجاح مبهر» للفيلم ويقولون إنه حقق 4 ملايين جنيه في 5 أسابيع، وبين ما رأته عيناك للتو و«أبهرك»، إنما بطريقة مختلفة.

بورصة الإيرادات أصبحت وسيلة للدعاية والترويج للأفلام ولا علاقة لها بتقييم العمل من بعيد أو قريب، أرقام لا ترمز إلى قيمة فنية، ولا إلى مدى حب الجمهور للفيلم، بل إنك أصبحت تقرأها ولا تصدقها سلفاً، ولا تبني حكمك على أي عمل سينمائي عربي وفقها.

أسباب التشكيك كثيرة، والتساؤلات تبدأ من نقطتين: إذا كانت هذه الأرقام حقيقية، فهل هذا يعني أن الفيلم «أبو 4 ملايين جنيه في 5 أسابيع» هو ناجح بامتياز؟ وإذا كانت صحيحة، لماذا لا نرى إنتاجاً ضخماً وأفلاماً لكبار نجوم التأليف والإخراج والتمثيل تغزو الشاشات باستمرار مادام أن العائد وفير ومضمون ومربح بهذا الشكل؟ وأين أزمة السينما المصرية التي يتحدثون عنها؟
من يشاهد فيلم «الخلبوص» يجد الإجابة الشافية عن كل تلك التساؤلات، ويفهم أن الإيرادات ما هي إلّا لعبة جديدة للترويج للأفلام تتبعها شركات الإنتاج في سبيل جذب الجمهور، كما أن بعض الأفلام ينجح فعلياً في الوصول إلى الناس، إنما يصطاد جمهور الأحياء الشعبية وينزل بهم إلى ما دون الحضيض بمستوى الألفاظ والأخلاق والحوار والسلوكيات.
«الخلبوص» عنوان يحكي عن مضمون الفيلم، ويمكنك أن تتخيل تفاصيله، ولن يفاجئك المخرج أو الكاتب بما يبهرك ويخل سير توقعاتك، هو نموذج للأفلام السطحية والحكايات المكررة والمستهلكة منذ سنين، والتي من الممكن أن تراها سينمائياً لكن بحبكة مطورة وأحداث مشوقة ومنطقية ورومانسية راقية، وهو ما لم يحصل هنا، وإن كان كاتب الفيلم أدخل الكثير من عناصر التكنولوجيا الحديثة مثل هوس التصوير خصوصاً «سيلفي»، و«دلو الماء» الذي يرشق به البطل وفيه دلالة على «دلو الثلج».
مقومات النجاح غير متوفرة في «الخلبوص»، تأليف محمد سمير مبروك وإخراج إسماعيل فاروق، في التصنيف يذكرون أنه رومانسي كوميدي عائلي، وفي الصالة تكتشف أنه ليس عائلياً بمفهوم «العائلة» الراقية واحترام سن الطفولة، وما يفيد الصغار ويمتعهم أثناء المشاهدة، فغالباً ما تُشن الحروب على الأفلام الغربية والكرتون الأجنبي «لأنها تعلّم الصغار عادات وأشياء لا تتناسب وتقاليدنا العربية»، بينما تسكت الألسن أمام الأفلام العربية التي تدس كل السموم التربوية والعادات السيئة والألفاظ البذيئة تحت شعار «فيلم عائلي»، وكيف «للخلبوص» أن يكون عائلياً، وكل أحداثه تدور في غرف النوم، والنوادي الليلية، وفي شقة رجل أعزب مهووس بالنساء؟ كل القصة محصورة ببحث يوسف (محمد رجب) عن عروس ومن تتولى مهمة إيجاد العروس هي صديقته (إيمان العاصي) التي تحبه بصمت، شاب محاط بخمس نساء، ولا منافس له في الفيلم على الإطلاق، بل حتى وجود الممثل محمد سليمان هامشي، يقدم مشاهد قليلة ويكسر تفرد محمد رجب بالبطولة «الذكورية» من دون أن ينافسه أو نشعر بوجوده.
محمد سمير مبروك يجعل من إيمان العاصي كاتبة، تقرر أن تؤلف كتاباً عن «عنوسة الرجل»، هذا العنوان، شعرنا أنه سيكون الوجه الآخر للفيلم، والذي يصلح أن يكون عنواناً بديلاً عن «الخلبوص»، لكن الجملة عبرت، ولم يتعمق فيها الكاتب ليبرز حقيقة العنوسة عند الرجال، بل على العكس قدم نموذجاً لا علاقة له بأزمة ولا بعنوسة، فالبطل يوسف ثري يعيش حياة مترفة، ويبحث عن عروس، إنما مشكلته الوحيدة أنه «خلبوص» أي يسعى وراء كل فتاة جميلة ولديه علاقات كثيرة، ومن يقرر التطرق إلى أزمة عنوسة الرجل، من المفترض أن يعرض نماذج مختلفة لشباب يرغبون في الزواج ولا يستطيعون تحقيق أحلامهم، وآخرين يُعرضون عن الزواج بإرادتهم أو رغماً عنهم، ولا يقدم محمد رجب باعتباره «دونجوان الشاشة».

كان بإمكان محمد مبروك أن يتعمق في الكتابة أكثر، ويزيد من أفكاره، ليختار منها الأفضل لينهض بفيلمه إلى مستوى جيد، بدلاً من أن تتناثر منه العبارات الجيدة وسط معمعة ومشاهد ضرب وكلام بذيء وصراخ لا لزوم لها، فهو من خلال أربع فتيات يحاول يوسف الاقتران بهن أدت أدوارهن ميريهان حسين، وإيناس كامل، ورانيا الملاح وسامية طرابلسي، يستعرض محطات مما يحصل في مصر، مثل تحمس بعض الشباب «المثقف» للثورة والرغبة في التغيير، فيظهرهم مجموعة متهورين غير منظمين، بوهيميين، ويرد على شعاراتهم الفضفاضة بجملة يقولها يوسف لأحد «الثوريين»: «لما تكون عاوز تعمل حالك مثقف وبتفهم في السياسة، ما تقرأ تاريخ بلدك الأول»، مستشهداً بكل الإنجازات التي قام بها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.
الكوميديا الحقيقية جاءت في الربع الأخير من الفيلم، في مشاهد تثير الضحك عند المشاهد بشكل تلقائي، وذلك بعد خطبة محمد رجب وميريهان حسين، وما تفعله مع أسرتها بالعريس، فيشعر المشاهد وكأن من تولى إخراج هذا الجزء شخص آخر غير مخرج الجزء الأكبر من العمل، وأن الكاتب ارتقى فجأة بمستوى الكوميديا في كتابته، بينما الكوميديا المبتذلة ظهرت بقوة خصوصاً في مشهد «المعركة النسائية» بين صديقة يوسف ومن ينوي الزواج بها، والكلام البذيء والألفاظ السوقية ووصلة «الردح» المستفزة التي أساءت للفيلم وللمشاهد.
أما الأحداث غير المنطقية في الفيلم، فهي في صحوة البطل المفاجئة ليلة خطوبته، لينتبه «لأول مرة» إلى جمال صديقة عمره (إيمان العاصي) ورقتها، ولم يشعر بالغيرة أو بحبه لها يوم أبلغته بخطوبتها من صديقهما (محمد سليمان)، ليعيد في نهاية الفيلم حساباته، ويتقدم لها عريساً، علماً بأنه يظهر طوال الوقت «صاحب النظرة الثاقبة»؟ وكيف انتبه فجأة إلى جمال «بروفايل» وجهها وهو مصور محترف، سبق أن التقط لها مئات الصور، وكبرها بوستر على الجدران؟
«نيوسنتشري للإنتاج الفني» و«دولار فيلم» تولتا إنتاج «الخلبوص»، ويمكن القول، بأدنى متطلبات الإنتاج، ليقدما فيلماً استهلاكياً يضاف إلى قائمة «النسيان»، فيلماً يعلي «النظرة الذكورية» في السينما، حيث البطل هو النجم الأوحد، وتدور في فلكه باقي «الأحجار» التي لا قيمة لها، ويروج للفكر الذكوري أيضاً في سعي الكل إلى إيجاد عروس مكتملة المواصفات للشاب الجميل الثري، وما عليه إلّا الموافقة واختيار ما يعجبه من تلك الباقة.

«زنقة الستات»

وأنت تشاهد «الخلبوص» تتذكر فيلم «زنقة الستات» تأليف هشام ماجد وكريم فهمي، والذي عرض قبل أشهر قليلة. تقارن بين العملين فتجد الفرق شاسعاً علماً أن الأخير يدور في إطار مشابه، إنما جرعة الكوميديا فيه عالية جداً ومتقنة. المخرج خالد الحلفاوي قدم مجموعة من النجوم الشباب و«زنقة الستات» مصنوع بشكل جيد وبلا استخفاف، ولم يجعل من حسن الرداد «دونجوان» الشاشة الأوحد، بل تنافسه إيمي سمير غانم بدور رائع يثبت موهبتها في التمثيل الكوميدي، ومعهما أيتن عامر ونسرين إمام ومي سليم. يحكي الفيلم عن شاب «نصاب» ابن طبيب نفسي، يستغل مرضى والده من «الجنس اللطيف» لينصب عليهن، ويوقعهن في غرامه إلى أن يقع في أزمة، فيجد نفسه مضطراً للارتباط بأربع فتيات. فيلم تستمتع بمشاهدته وتضحك من قلبك ومجهود التمثيل فيه واضح.

تحايل

يمكن للكاتب أن يفبرك الأحداث كي تسير وفق ما يخطط له، لكن المهم أن تمشي وفق المنطق، وأن تتلاءم مع طبيعة المجتمع الذي ينتمي إليه الفيلم وأبطاله. وفي «الخلبوص» بعض الأحداث غير المنطقية، التي لا تحدث في المجتمع المصري، مثل موافقة فتاة على إقامة شاب معها في بيتها، وهي لا تعرف عنه شيئاً. كل علاقتها بيوسف أنه أوهمها أنها ضربته بسيارتها كي يتقرب منها، وهددها بإبلاغ الشرطة إن لم تستضفه في بيتها، وأتى بصديقه مدعياً أنه طبيب يضع له جبساً في رجله. يقيم مع الفتاة وحدهما في بيتها، ورغماً عنها. والمشاهد هذه لا سخرية فيها، ولا أي ملمح للكوميديا، بل مجرد تحايل من الكاتب كي «يحْبك» القصة بما لا يتطابق مع الواقع.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"