لا شك أن النبأ أثلج صدر أرباب الصناعة النووية عشية منح لجنة نوبل النرويجية جائزتها للسلام لهذا العام لآل جور نائب الرئيس السابق كلينتون، ولربما راودت هؤلاء الأباطرة رغبة جامحة في التعبير عن ابتهاجهم بهذا الحدث، إلا أنهم ما لبثوا أن أسروا في أنفسهم ما غمر كيانهم من فرح، فلولا مقتضيات اللياقة لهتفوا مهللين لهذه الخطوة، ولا غرو في ذلك، فالفائز بالجائزة من أعز أصدقائهم ومن أخلص من مد لهم يد العون وآزرهم، لذا فمن المؤكد أن مشاعر العرفان كانت تتقد في صدورهم، وإذا ما نظرنا للأمر من النواحي العملية والنفعية فإن هذه الصناعة هي أكبر مستفيد من الاهتياج والصخب العالمي الذي أثير بشأن مساهمة الإنسان المفترضة في تسخين الأرض وإحداث ظاهرة الاحتباس الحراري.وآل جور ذاته كان ومنذ البدء، بل ومن أول يوم تجاوز فيه العتبة وولج باب الكونجرس مؤتمناً على الرسالة والواجب المقدس المتمثل في حماية المصالح المالية والتنظيمية لهيئة وادي تنيسي ومختبر اوكريدج الوطني، وكلتاهما مؤسستان تتمتعان بقوى هائلة ونفوذ مهيمن وسطوة في ولاية آل جور، الذي كان الشريك الطعم المستدرج لدهاقنة الصناعة النووية والمروج لهم.فقبل عشرين سنة، عندما هاج أهل الولايات المتحدة وماجوا والتفتوا يمنة ويسرة مفتشين عن جواب شاف وحل ناجع لمعضلة احتياجات أمريكا من الطاقة، كان الرأي العام ينظر إلى الطاقة النووية نظره إلى البعير الأجرب، وكانت في أسفل سافلين لا سيما في أعين حماة البيئة، وبوجه خاص في أوساط تلك الفئة من السكان الذين يؤرقهم اليوم ويقض مضجعهم الاحتباس الحراري وسخونة الأرض.والاعتراضات الرافضة للطاقة النووية لها وجهاتها وثقلها اليوم بقدر ما كان من الوجاهة وقوة الحجة في فجر العصر النووي، بل وربما أكثر فمحطات الطاقة النووية تنتج كميات ضخمة من النفايات السامة المهلكة الشديدة الفتك بكافة أشكال الحياة، وهذه المواد غالباً ما تطفح بها عربات القطارات التي تقلها على متنها وهي تتدحرج وتسير على سكك الحديد مخترقة أعماق البلاد عبر مناطق سكنية ريفية ومدينية، حيث تحف بها مخاطر جمة من اندلاع حريق، أو ما شابه من حوادث يمكن أن تؤدي وبسرعة فائقة إلى كارثة، ولطالما كانت مواقع تخزين النفايات عرضة لحوادث التسرب وتسميم الطبقات الصخرية المائية. بل إن المحطات ذاتها عرضة لانفجارات مرجل هنا أو غلاية هناك، تماماً كما هي عرضة أيضاً لهجوم إرهابي، وهناك كذلك ثمة احتمال وقوع مصائب لها عواقب كارثية على الحياة البشرية، وما أمر تشيرنوبل عنا ببعيد.ومع ذلك، فالمفارقة الكبرى تكمن في أن أعداداً غفيرة من أعاظم المنذرين المحذرين والمخوفين من العواقب الوخيمة لظاهرة الاحتباس الحراري، ومن أشدهم نفوذاً وتأثيراً كانوا دوماً على دراية تامة بحقيقة يعترفون بها في قرارة أنفسهم ويفصحون عنها في مجالسهم الخاصة، وفحواها أنه ما لم تتحول البلاد إلى مصادر أخرى وتنتهج سياسة ترمي إلى الحفاظ على الموارد الطبيعية وصيانتها وتتخذ خطوات تكون بمثابة لعنة لمعظم المصالح الشركاتية القوية في الولايات المتحدة فإن المخرج الرئيسي من الأزمة التي لطالما كانوا رعاتها وعرابيها، إنما هو عبر باب نقشت عليه عبارة الطاقة النووية.والولع المحموم الذي يؤجج آل جور ناره، والهوس بفكرة أن الإنسان هو أصل مشكلة سخونة الأرض وآفة ظاهرة الاحتباس الحراري، هو الذي ألحق أفدح الضرر حتى الآن بعمل حيوي بيئي بالغ الأهمية كان يبذل قصارى الجهد لتنظيف البيئة وتنقية أجوائها، وصرف الأنظار عن جوهر القضية وحرفها عن مسارها وحجب عن المشاريع ما رصد لها من أموال لشبكات الصرف الصحي ومواقع النفايات السامة ومجاميع المداخن القذرة التي تنفث دخاناً مهلكاً، ناهيك عن الكارثة الهائلة، ألا وهي التلوث الزراعي.وثمة عاقبتان أخريان لهذه الهستيريا، فالوقود العضوي سوف يسرق اللقمة والغذاء من فقراء العالم الثالث، ويكدسها من ثمّ في خزانات بترول العالم الأول المتطور.لكن الطاقة النووية هي المستفيد الأكبر من هذه الهستيريا، وكما أعلن بيتر مونتاغ، الذي ظل على مدى سنوات شوكة في خاصرة الصناعة النووية، وصرح مؤخراً في نشرته الإخبارية الموسومة بعنوان ديمقراطية راشيل وأنباء الصحة فقال: لقد انبثق في الحقيقة في فريقنا هذا وبزغ فجر النهضة النووية الذي طال انتظاره وتحدثت به الركبان وأكثرت الاعلانات من الترويج له والتبشير بمجيئه. وكانت إن آر جي للطاقة وهي احدى الشركات العاملة في نيوجيرسي، قد تقدمت بطلب للحصول على ترخيص لبناء محطتين نوويتين في مدينة بسيتي في تكساس، وهو أول طلب رسمي للحصول على مثل هذا الترخيص على مدى 30 سنة.وفي ابريل/نيسان الماضي سقط قناع آخر لتتكشف معه الحقيقة، إذ قامت هيئة تنظيم الشؤون النووية بمراجعات كاسحة شاملة لكافة إجراءاتها وتعديلات لمعاييرها لتوهن بذلك من تماسك وصلابة إجراءات الموافقة على إقامة محطات نووية جديدة، وتميّع بذلك أيضاً الموقف الحازم تجاهها، وبتعريفها ل إنشاء محطة جديدة بأنه يعني مجرد بناء المفاعل نفسه تكون هيئة التنظيم النووي قد استبعدت من الفحص والتدقيق التنظيمي الأولي نحو 90% من التأثيرات البيئية الحقيقية للبناء.وفيما تتزايد وتنتشر المحطات النووية الجديدة ويستفحل أمرها وتسد الأفق كما الفطر، وتتعاظم مخاطرها، فإنّ من الملائم بكل تأكيد أن نحمل آل جور الشطر الأعظم من الوزر والمسؤولية في هذه القضية، وليس في هذا أي غلو في الإدانة وليس فيه افتئات عليه. إذ كيف نسبغ على من كان سجله ملطخاً بالدماء صفة رجل السلام! فعلى امتداد سيرته السياسية، لم يتورع آل جور عن التصويت مؤيداً للقنبلة النيوترونية ومناصراً لطائرات بي 52 القاذفة التي تستخدم في عمليات القصف على نطاق واسع، ومقراً لإنتاج صواريخ ترايدنت تو وصاروخ إم إكس والميدجت مان، كما دعم جور خطة حرب النجوم، ولطالما أحبه وأعجب به مقاولو وسماسرة الصفقات والمشاريع الدفاعية الكبار وخصّوه بخالص الود الذي يشعر به تجاهه اليوم أباطرة الصناعة النووية.* كاتب صحافي وناقد ومحلل سياسي يشارك في تحرير موقع كاونتر بنشر