د. يوسف الحسن
رغم كثرة الخطابات والبيانات والبحوث، التي تناولت المفهوم الفلسفي والقانوني والأخلاقي والسياسي للتسامح، فإن ثمة خللاً مازال قائماً في فهم المعنى والمبنى للتسامح، لدى بعض الأوساط السياسية والثقافية والدينية، والتي مازالت تصر على أن التسامح، هو «التساهل» و«التنازل»، وأن «المسامح كريم»، كما يقول المثل العربي السائد، أو أنه هو «العفو عمن ظلمك أو آذاك».
لكن ماذا عن موقفنا من إنسان لم يظلمنا، ولم يؤذنا؟ إنه مجرد إنسان مختلف في لونه أو عرقه أو مذهبه أو لغته أو ثقافته أو جنسه، هل سنلعنه أو نقصيه أو نكرهه أو نعتدي عليه؟
التسامح هو أكثر وأبعد من مجرد فضيلة، ورحمة، إنه قبول للتنوع الإنساني، ودعوة للوئام في سياق الاختلاف، وسعي لتوفير السلم الاجتماعي وعمران الأرض. ويتعزز هذا المعنى بالمعرفة والانفتاح وباحترام حرية الفكر والمعتقد، وتحمُّل أشخاص وأفكار لا نتفق معهم، واعتبار أن التنوع والاختلاف حقيقة إنسانية، وآية من آيات الله في الإنسان والكون، والمهم في الأمر، هو إدارة رشيدة لهذا التنوع، والوعي بأخطار منطق الصراع والتعصب وانحسار ثقافة المعرفة المتبادلة ومتطلبات التعايش.
التسامح لا يعني التنازل عن خصوصيات الهُوية ولا عن الحقوق، ولا يعني القول «بأنني أتسامح معك» أنني أنا الغالب أو الأعلى، وأنت المغلوب أو الأدنى، فهذه المعاني تحمل الكثير من معاني الفوقية والاستعلاء.
ثمة سجالات وحوارات مازالت تحاول إقناعنا بأن «التسامح» يتطلب «التساهل» حتى لو تطلب الأمر إرباك «الهُوية» الوطنية، وقد أدهشني، إن لم أقل أصابني بالذعر، سماع متحدث (من الكويت) كثير الشهرة في محطات التلفزة، يقول: «إن الهُوية الرخوة، هي الأكثر قبولاً وتفهماً للتسامح».
قلت في ردي على تلك المقولة الغريبة، أثناء انعقاد مؤتمر حول التسامح في أبوظبي قبل أسابيع: «في الهُويات الرخوة، تتخلق سلوكيات رخوة وتتفكك منظومات قيمية، وتنتج أجيال مشتتة ومرتبكة.. والمحصلة خسران مبين».
تفرز الهُويات الرخوة والمعولمة هويات خارج جغرافية الهُويات الوطنية، هويات سائلة، تتجسد في أنماط سلوكية هجينة، في المدرسة والشارع والنادي والمجتمع، وتتولد عواطف رخوة بين أجيال الشباب، تقود إلى سلبيات خطرة في العلاقات الإنسانية ومن بينها على سبيل المثال: ارتفاع نسبة الطلاق عند جيل رخو.
وقد قرأت لعالم اجتماع مغربي «أن الهُوية الرخوة، جعلت بعض الشباب غير قادر على التحكم في (سرواله - بنطاله) بعد أن هجر عادة لبس الحزام».
وفي ظل الهُوية الرخوة، تنتعش ثقافة اللهو والابتذال والاستهلاك، وتصبح السعادة رهينة لكثرة الاستهلاك، كما تترسخ سلوكيات الكسل والتراخي والعبثية.
ترتخي الهُوية، حينما تهتز وتضعف مكوناتها ومحتواها في نفوس أصحابها، وتفقد تجانسها وقدرتها على التحفيز والإنجاز، وعلى التعايش مع هُويات أخرى مغايرة.
وكلما كانت الهُوية قوية وفاعلة، تكون أكثر ثقة بالنفس، وأكثر استعداداً للانفتاح والتعايش، وقبول التعددية، وتعزيز المواطنة العادلة والمسؤولة.
في أي مجتمع ذي هُوية رخوة، يسهل على هُويات ساعية للتمدد اختراقه، كما يعجز المجتمع عن تحقيق تجانس أو تكافل بين أعضائه، وينتهي إلى فقدان فاعليته، واضطراب استقراره ونسيجه الاجتماعي.
الهُوية الوطنية (مضى عقد ونصف العقد على شعار «عام الهُوية الوطنية» في الإمارات) هي طاقة وروح وقيم وقوة، قابلة للتطور والنمو، لكنها أيضاً عرضة للتفكيك والضمور والرخاوة، وكل ذلك يعتمد على قوة مكوناتها وتمكنها من نفوس أصحابها، ولا تموت الهُوية إلا بموت أصحابها.
وهناك عدد من المؤشرات لقياس قوة الهُوية، من بينها مؤشرات لقياس جودة السلوك، وجاذبية الهُوية، وقدرتها على الإنجاز الحضاري وإنماء المجتمع المدني الأهلي، والتعايش مع الهويات الأخرى المغايرة، وصلابة مصادرها ومكوناتها، وتأثيرها الملموس في حياة المجتمع ونموه واستقراره.
إن الهُوية الوطنية القوية هي تعظيم مستدام للقوة الناعمة للدولة الوطنية، بما تقدمه من جاذبية قيم وسلوك وسياسات خارج حدود الدولة.
الوطن ليس مجرد جغرافيا وبشر تقوم بينهم روابط طبيعية وعلاقات أسرية أو قبلية، وإنما هو علاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية، ومصالح مادية متبادلة، ووعي اجتماعي بالانتماء المشترك وبالاندماج والإرادة الجامعة، وبالهُوية الوطنية القوية المشتركة.
.........
في بيئة الهُويات الرخوة، يكون من الواجب على المرء أن «ينفتح» بشدة.. وإلى آخر مدى، وأن يكون «خفيفاً» للغاية، فلا يحمل «أعباء» تراث وتقاليد وحضارة، ولا يراعي اعتباراً لقيم العدل والإنسانية والثقافة الوطنية، ولا لثوابت هويته الرئيسة.
إنها هُويّات رخوة «سريعة» الحركة، «كسيارة ليكساس» لا «كشجرة زيتون»، متجذرة في الأرض والوجدان والشخصية (١).
الهُوية الرخوة.. هي الانتظار على سُلّم مائل وسط العواصف والزلازل.
(١) إشارة لكتاب «السيارة ليكساس وشجرة الزيتون» - المؤلف توماس فريدمان.