مستقبل قوات «اليونيفيل» في لبنان

00:01 صباحا
قراءة 4 دقائق

د. خليل حسين

لطالما شكلت قوات الطوارئ الدولية «اليونيفيل» في لبنان مادة دسمة لنقاشات ومواقف لا تنتهي، ذلك بفعل ما تختزنه هذه القوات من خلفيات الدول المشاركة فيها، علاوة على ظروف لبنان، الدولة المضيفة لها، وإسرائيل الدولة المعنية بها في الطرف الآخر. تعتبر قوات اليونيفيل من القوى الدولية ذات الوزن عدة وعديداً واهتماماً، بفعل ما يعوّل عليها منذ إنشائها في 19 مارس/آذار 1978، بعد الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، وفي الواقع عانت هذه القوة من مصاعب كثيرة في عملها، وأخذت الكثير من النقاشات في كل مرة كان يطرح التجديد لها.
وتدور حالياً اتصالات ضمن أطر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة صاحب الصلاحية للمتابعة والإشراف على أوضاعها وعملها، ضمن ظروف دقيقة متصلة بالوضع الميداني الذي تعمل فيه، إضافة إلى الدول الكبرى التي تهتم بها، ومن بينها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث تتضارب المواقف وتتباين لجهة المدة المراد تمديدها ونوعية الصلاحيات المناطة بها أو التي يراد تعديلها. ففي 31 أغسطس/آب الحالي تنتهي مدة ولايتها، وتقوم فرنسا بعمل وازن لتجديد مهامها في الجنوب اللبناني، في مقابل اعتراضات عالية السقف من قبل الولايات المتحدة لتقصير مدة التجديد من سنة كما تطرح باريس إلى ستة أشهر، على أن يكون هذا التجديد نهائيا وغير قابل للتمديد مرة أخرى كما تطرح الولايات المتحدة، التي قلّصت تقديماتها ومساهماتها المالية، حيث خفض الرئيس دونالد ترامب 203 ملايين من مخصصات عام 2024 و168 مليوناً من مخصصات عام 2025 في يوليو/تموز الماضي، وهو أمر يعكس جدية واشنطن في المضي لإنهاء عملها كلياً.
وقوات اليونيفيل التي يبلغ عديدها حالياً 11 ألف جندي، تعاني جدلاً واسعاً حول طبيعة المهام المسندة إليها وفقاً للقرار 1701 الصادر في عام 2006، الذي أخذ جهداً ووقتاً كبيرين إبان إقراره، ورغم ذلك ثمة خلافات فقهية قانونية حول اعتباره، وفقاً للفصل السادس أو السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والذي بموجبه يكون أيٌّ من الاثنين عملها، أي بمعنى آخر: هل عملها هو حفظ السلام، أم فرض السلام أي استعمال القوة العسكرية لتنفيذ المهام.
وفي ظل تلك التباينات حول مستوى الصلاحيات وطرق التنفيذ، يدور جدل آخر حول عملها المستقبلي بعد التجديد، في ظل ظروف دقيقة جداً يشهدها جنوب لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي الأخير، الأمر الذي بدّل من طبيعة أعمالها وكيفية تحركها، بحيث ارتبطت آليات عملها في قسم منها إلى اتفاق وقف الأعمال العسكرية بين لبنان وإسرائيل، وما أدرج من مطالب ومواقف كحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، الأمر الذي كلفت به فيما يخص من نزع الأسلحة غير التابعة للدولة رسمياً، إن كانت لتنظيمات لبنانية أو فلسطينية أو غيرها.
ويبدو من المواقف الدولية في مجلس الأمن، أن التمديد أمر قائم، لكنّ التباين قائم على طريقة عملها وأداء مهامها ومدى حجم مشاركتها في تنفيذ حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، فبصرف النظر عن المدة الزمنية المطروحة حالياً بسنة كاملة حتى 31 أغسطس/آب 2026، فإن مهام إضافية ستسند إليها بما يتوافق مع وجهتي النظر الأمريكية والإسرائيلية، الذي يستشف من البند الخامس من مشروع القرار الذي ينص على إنهاء عملها دون تحديد التاريخ، وهو ما يعزز الرأي القائل بأن التمديد سيكون الأخير انسجاماً مع الموقف الأمريكي لجهة تخفيض مساهماتها المالية، ووجهة النظر الإسرائيلية التي تدعي عدم جدوى وفاعلية عمله في جنوب لبنان. كما يدعو نص المشروع إلى زيادة التنسيق والتعاون بين القوة الدولية والجيش اللبناني، ما يعني أن قوات اليونيفيل ستكون مقيدة التحرك بالتنسيق مع الجيش اللبناني، وفي ظل توجه أمريكي إلى تقليص عديد القوة الدولية، يعزز الرأي بأن هذا التمديد سيكون الأخير لها في لبنان.
لقد تأسست هذه القوة في عام 1978 وفقاً للقرارين 425 و426 وصدر عن مجلس الأمن العديد من القرارات ذات الصلة بعملها، ومن بينها القرارات 508 و509 و512 بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982، والعديد من القرارات اللاحقة التي استندت إلى القرار 425، وفيما بعد القرار 1701. وغريب المفارقات في بعضها وبخاصة القرار 1701 الذي اعتبر صادراً وفقاً للفصل السادس، بينما قواعد التنفيذ أو ما سمي قواعد الاشتباك هو أقرب للفصل السابع، أي إمكانية استعمال القوة في تنفيذ الأوامر.
وفي أي حال من الأحوال، اعتبرت قوات الطوارئ الدولية من البيئات التي ساعدت بشكل عام على الاستقرار في جنوب لبنان، وحدت في كثير من الأحيان من زيادة منسوب التصعيد، حيث كانت المعطيات والوقائع تسهم في بعض الأحيان في تفجير الأوضاع، وفي الواقع تدرك القوى الدولية الفاعلة أن التمديد سيسهم في استقرار الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط وليس في لبنان وحده، في ظل تداخل أزمات المنطقة ببعضها البعض، وفي ظل الانتظار لما يمكن أن يطرأ بعد قمة ألاسكا الأمريكية الروسية مؤخراً.

عن الكاتب

دكتوراه دولة في القانون الدولي .. رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية واستاذ القانون الدولي والدبلوماسي فيها .. له أكثر من 40 مؤلفاً ومئات المقالات والدراسات البحثية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"