نظام دولي يتهاوى

00:03 صباحا
قراءة دقيقتين

تتجه الأنظار في الأيام القليلة المقبلة إلى الصين التي تستضيف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ثاني زيارة له خلال 15 شهراً، لكن هذه المرة تبدو ذات أبعاد أوسع، في ظل التقاطع الشديد بين الأزمات والمصالح ذات الصلة بالقوى العالمية الكبرى الثلاث، الولايات المتحدة وروسيا والصين.
قبل بدء هذه الزيارة، التي يعتبرها الكرملين تاريخية وغير مسبوقة، أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ أن العلاقة بين بكين وموسكو أصبحت «أكثر استقراراً ونضجاً واكتمالاً على المستوى الاستراتيجي». كما أنهما عازمتان على «بناء عالم أكثر عدلاً»، وهذه اليافطة الأخيرة تعارض بالقصد العبارة الأمريكية المتغطرسة عن «عالم أكثر أمناً»، وهو هدف لم يتحقق رغم اندلاع حروب وصراعات، وأقساها كان في العامين الماضيين، في الشرق الأوسط وأوكرانيا. ويبدو أن هذه التجارب المريرة قد بدأت تؤتي نتائجها بما أمكن من عِبَر ودروس، وأهمها أن التعويل على القوة والترهيب لن يحقق الاستقرار المطلوب، بل يدفع بالأوضاع إلى تأزم أعمق وفوضى أشمل وتجاوز أخطر على نظام دولي تتهاوى شرعيته كل يوم، بسبب الانتهاكات الجسيمة والجرائم الشنيعة وغياب العدالة والإفلات من المساءلة، والبرهان الساطع على ذلك، ما ترتكبه إسرائيل في قطاع غزة من إبادة وتجويع أمام سمع العالم وبصره، ولا من يتحرك أو ينتصر للكرامة الإنسانية بحدها الأدنى.
ضمن هذه الأجواء المشوبة بعدم اليقين، ستكون القمة الصينية الروسية، التي تأتي بعد أقل من شهر من لقاء تاريخي جمع في ألاسكا بين بوتين ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، وكان عنوانه إنهاء الحرب في أوكرانيا، أما في العمق فشمل كل ما يتصل بالوضع العالمي، وما تتطلبه الضرورات الأمنية وتقتضيه المصالح، ويبدو أن مخرجات ذلك اللقاء متعثرة، إن لم يكن محكوماً عليها بالفشل مسبقاً، في الوقت الذي يدور فيه الحديث عن قمة ثلاثية قد تجمع بوتين وشي وترامب، الذي لمح إليها قبيل لقاء ألاسكا. ومثل هذه الخطوة قد تكون مطلوبة لإحداث فجوة في جدار الأزمات السميك، لكن الذهاب إليها دونه متطلبات وعقبات كثيرة، ليس من السهل تذليلها في مدة وجيزة.
الحديث عن إمكانية التواصل والتلاقي بين الشرق والغرب، لا يحجب حقيقة أن العالم منقسم بشدة، ويتجه إلى مزيد من الاصطفاف في أكثر من تكتل وحلف، وهو ما تعبر عنه الحرب التجارية الضارية بين الولايات المتحدة والصين، والمنافسة المحمومة على المعادن النادرة والتكنولوجيا الدقيقة والذكاء الاصطناعي. كما أن هناك سباق تسلح رهيباً بين هاتين الدولتين ومعهما روسيا. ولا يكاد يمر يوم دون الكشف عن سلاح فتاك أو مقاتلة شبحية أو صاروخ فرط صوتي، فضلاً عن مساع واسعة لإنتاج وتطوير أسلحة نووية أكثر تدميراً مما هو معروف. وكل هذه المؤشرات ترسم صورة لحقيقة الوضع المأزوم بين قوى شرقية تعمل بهدوء وتصرح بمواقفها الثابتة دون الحاجة إلى طبول، وقطب غربي يعي أن دوره يتراجع ونفوذه يتآكل، ويحاول تسويق صورة للقوة ويبطن عكسها، وهناك كثير مما يعبر عن هذه الحالة الفصامية، لعل منها تفكير ترامب في تغيير اسم وزارة الدفاع الأمريكية إلى «وزارة الحرب»، وهو يبحث عن نيل جائزة نوبل للسلام.
[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"