عندما بدأ العدوان على قطاع غزة، قبل ثلاثة وعشرين شهراً، كان واضحاً أنه عنوان حرب مسعورة وقاسية وكارثية، ولم يكن أحد يتخيل أن يطول عمرها إلى سنوات، لا أسابيع وشهوراً، وتبلغ هذه الدرجة من الوحشية والجنون، وتصبح فضيحة تاريخية ستتحمل إسرائيل ومن يدعمها وزرها، وتدفع ثمنها ولو بعد دهر.
بعد نحو عامين من هذا العدوان غير المسبوق، انكشفت حقائق، وسقطت مُسلَّمات، وحدثت رجة في وعي المنطقة، ستساهم ارتداداتها بعيدة المدى في تشكل الأجيال المقبلة، وبلورة مرحلة تاريخية مختلفة، بعدما بلغت إسرائيل درجة من الجنون والعدوانية المتفاقمة، والجرأة على ثوابت الاستقرار الإقليمي. وما كان يراه البعض طوال عقود، مجرد أحلام خرافية ومخاوف غير واقعية، أصبح اليوم حقيقة، لا يتوانى عن التصريح بها قادة إسرائيل ووزراؤها المتطرفون، سواء بالعمل على إنهاء حلم الدولة الفلسطينية ودفن مبدأ «حل الدولتين»، أو التوسع بالعدوان على الدول المجاورة، خصوصاً في لبنان وسوريا، والطموح المستهدف أعلنه بنيامين نتنياهو، قبل أيام، وردده متطرفون آخرون في حكومته، ويتعلق بإقامة ما يسمى «إسرائيل الكبرى»، ذلك المشروع الاستعماري الاستيطاني، الذي حذر من التغافل عنه السابقون، منذ نحو ثمانية عقود، ولم يسمعهم أحد، بذريعة أنهم قصيرو النظر، وأسرى أفكار مغلقة، ولكن اليوم أصبح ذلك الهاجس القديم خطة يجري العمل على تنفيذها، وسط عجز دولي غير مفهوم، وفي كثير من الأحيان مصطنع لأسباب كثيرة، بعضها يتصل بالتوازنات الدولية، والبعض الآخر ينتظر استنفاد كل الوسائل السياسية لردع هذه القوة الغاشمة عن التمادي أكثر في الجريمة.
في الأسابيع القليلة الماضية، أوغلت إسرائيل في إبادة الفلسطينيين في قطاع غزة المحاصر والمدمر، وأعلنت أنها ماضية في ضم أجزاء من الضفة الغربية، وتهدد بالتوسع شمالاً في لبنان وسوريا، بعد أن يخلو لها الفضاء بنزع كل التهديدات التي تعرقل مشروعها التوسعي الرامي إلى تغيير خريطة المنطقة والهيمنة عليها، بدعم أمريكي صريح لا يمكن حجبه، ولكن هذا الدعم لن يستمر بشهادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اعترف للمرة الأولى، أن إسرائيل قد تنتصر مؤقتاً، لكن الضربة الأخيرة لن تكون بيدها، بسبب تدهور سمعتها عالمياً، حتى تحول الدفاع عنها أشبه بالعار في بعض الدوائر، بسبب ما ترتكبه من جرائم شنيعة، لم يقترفها عتاة المجرمين في العصر الحديث.
عند هذه النقطة يتسع المأزق، ويبدأ العد التنازلي للصلف الإسرائيلي الذي فاق الحدود، واستخف بالمنطقة، وتطاول على أمجادها وتاريخها، وتجاهل الكثير من الحقائق، وهي أن بعض الكيانات تظل طارئة ومؤقتة ولا مستقبل لها إذا فكرت بالتعايش مع الآخرين، وطغت على حقوق الأطراف الأخرى. ومما لا شك فيه أن زعماء اليمين المتطرف في إسرائيل قد استفحلت حالتهم المرضية التي تتحول، مع الأيام، إلى فوبيا من كل شيء، وخوف دائم من المجهول، وهو ما يحاولون التستر عليه بالإيغال في سفك دماء الأبرياء والتهجير والتجويع والتهديد بالسيطرة على المنطقة، وإذا كانت الحرب على غزة عامين ولم تتحقق الأهداف، فإن «الأوهام الكبرى» تتطلب حرباً أبدية ستنتهي بهزيمة مدوية، وهو ما استنتجه الكاتب الأمريكي توماس فريدمان الذي لم يبالغ بقوله إن نتنياهو يقود إسرائيل إلى الانتحار وليس إلى النصر.