في سوق عالمي تتزايد فيه حساسية المستثمرين تجاه الشفافية وإدارة المخاطر، تبرز دبي بنموذج تنظيمي يضع حماية رأس المال في صلب معادلة النمو. ويرى خبراء القطاع، أن حساب الضمان العقاري الذي أطلقته دبي منذ عقدين والذي يضم عشرات المليارات من الدراهم، لم يعد مجرد أداة رقابية، بل تحوّل إلى ركيزة مؤسسية أعادت تعريف العلاقة بين المطور والمشتري، ورسّخت معايير غير مسبوقة للانضباط المالي. وأسهم في خلق بيئة استثمارية قابلة للتتبع ومرتكزة على الشفافية، ما عزز جاذبية السوق دولياً.
أجمع مختصون، على أن الآلية القائمة -والتي تفرض إيداع أموال المشترين في حسابات مستقلة لكل مشروع، مع إخضاع عمليات السحب لتدقيق هندسي ومالي- أدت إلى تقليص المخاطر النظامية ومنع التداخلات المالية، فضلاً عن رفع كفاءة المطورين. كما تمتد الحماية إلى ما بعد التسليم عبر احتجاز نسبة ضمان لمعالجة العيوب، ما يعكس مقاربة شاملة لإدارة دورة حياة المشروع.
وبحسب الخبراء، فإن الأداء القوي للسوق، لاسيما في مبيعات المشاريع على الخارطة، يعكس فاعلية هذه المنظومة، التي باتت تعد نموذجاً عالمياً في موازنة النمو مع الحوكمة.
قوة القانون
قال عادل تقي، الرئيس التنفيذي لشركة «بيوند للتطوير العقاري»: إن حساب الضمان العقاري ليس مجرد آلية تنظيمية ومالية، بل هو تعبير عن منظومة قيم راسخة، وإعلان صريح بأن كل من يضع ثقته ومدخراته ومستقبله في عقار بدبي سيكون محمياً، لا بالنوايا الحسنة وحدها، بل بقوة القانون أيضاً.
وأضاف: حين أصدرت دبي هذا القانون عام 2007، فعلت ما عجزت عنه أسواق كثيرة حول العالم، واضعة المشتري والمستثمر في صدارة المنظومة. فلا يحق لأي مطور، مهما بلغت سمعته أو طموحه، الوصول إلى درهم واحد من أموال المشترين دون أن يُثبت تقدماً فعلياً وقابلاً للقياس في أعمال البناء، موثّقاً ومعتمداً من الجهات المختصة. هذا ليس مجرد اشتراط تنظيمي. إنه عهد بين الإمارات والعالم.
وتابع تقي: تكمن ريادة منظومة الضمان العقاري في دبي في انضباطها الصارم. ويُعد حساب الضمان العقاري صمام أمان حقيقياً للمستثمرين، حيث تُودَع جميع مدفوعات المشترين في حسابات مخصصة لكل مشروع، تُشرف عليها مؤسسة التنظيم العقاري «ريرا»، وتُدار من خلال أمناء حسابات معتمدين من دائرة الأراضي والأملاك، ولا يُسمح باستخدامها إلا بعد التحقق المستقل من إنجاز مراحل إنشائية محددة مسبقاً.
هذا المبدأ وحده أسهم في بناء مصداقية دبي الدولية أكثر من أي حملة تسويقية.
وقد انعكس ذلك بوضوح على أداء السوق على مدى السنوات الماضية ولا يزال، حيث سجّلت دبي، خلال الفترة من الأول من يناير، حتى السادس من إبريل 2026، نحو 50,101 صفقة عقارية بقيمة إجمالية بلغت 185.71 مليار درهم، وفق بيانات دائرة الأراضي والأملاك. ومن بينها 32,788 صفقة بيع على الخارطة بقيمة 84.20 مليار درهم، ما يمثل 65% من إجمالي الصفقات المسجّلة. وجميع هذه المعاملات تقع تحت مظلة حماية حساب الضمان العقاري.
كيف يحمي المشترين؟
وأوضح تقي: لكل مستثمر، سواء أكانت عائلة تسعى إلى شراء بيت الأحلام أم مستثمراً دولياً يوظف رأس ماله، يُجيب حساب الضمان العقاري عن السؤال الجوهري الأول في أي قرار عقاري: هل أموالي في أمان؟ الجواب في دبي: نعم، بشكل قاطع. تُودَع الأموال لدى أمين الحساب المعتمد من دائرة الأراضي والأملاك، ولا تُصرف إلا بعد التحقق المستقل من اكتمال مراحل البناء المحددة. وتستمر الحماية حتى بعد التسليم، إذ تُحتجز نسبة 5% من إجمالي المبالغ لمدة عام كامل لضمان معالجة أي عيوب قد تظهر. وبما أن الأموال مودَعة في حساب مستقل خاص بالمشروع لا يجوز الحجز عليه لصالح دائني المطور، فإنها محمية من أي مسؤوليات مؤسسية.
تخفيض نسبة الضمان
وأشار تقي، إلى أن الإطار الحالي لتسجيل المشاريع العقارية، يشترط تقديم ضمان بنسبة 30% قبل بدء البيع على الخارطة، عبر أحد ثلاثة خيارات: سواء عبر إنجاز فعلي، أو ضمان بنكي، أو إيداع نقدي. وقد صُمم هذا الشرط ليكون بوابة انتقاء حقيقية، تضمن دخول المطورين الجادين والمتمتعين بالكفاءة المالية والتشغيلية اللازمة إلى السوق. وقد أدى دوره بامتياز، وأثبت فاعليته في تعزيز نضج القطاع ومصداقيته الدولية. أي نقاش حول تخفيض هذه النسبة يجب أن يقوم على البيانات والأدلة، لا بدافع التسهيل. وفي حال التوجه نحو مرونة أكبر، يجب أن يُقابل ذلك بتعزيز موازٍ في عناصر أخرى، تشمل تدقيقاً مستقلاً أكثر صرامة، وتقارير رقمية لحظية، وآليات تدخل أسرع، إلى جانب تسريع تبني التقنيات الحديثة، فمنظومة الحماية يجب أن تتطور بشكل متكامل، من دون إضعاف أي من ركائزها.
وما لا يجوز المساس به بأي حال، هو صون حقوق المشتري وحمايته المطلقة. فالإمارات دائماً شرّعت بطموح وحكمة وانضباط معاً، وأي تطور في منظومة حسابات الضمان العقاري في المستقبل سيعكس هذا النهج. وما رسّخته دبي في منظومتها التنظيمية العقارية يمثل نموذجاً عالمياً يحتذى، ويأتي حساب الضمان العقاري في قلب هذه المنظومة، وهو أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار تدفق الاستثمارات الدولية، حتى في ظل التحديات العالمية. والإمارات لا تحمي المستثمرين لأنها مُلزَمة بذلك، بل لأنها تدرك أن الثقة، حين تُبنى وتُصان، تتراكم وتنمو مع الزمن تماماً كأي استثمار ناجح.
منع التداخلات المالية
وقال منير الذرعاوي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «أورلا» للوساطة العقارية: يعد حساب الضمان العقاري أحد أهم الأعمدة التي أسهمت في ترسيخ ثقة المستثمرين بسوق دبي، خصوصاً في مشاريع البيع على المخطط. يضمن هذا النظام أن جميع الأموال المدفوعة من المشترين تودع في حساب مستقل لكل مشروع، ولا تستخدم إلا في تمويل إنشائه، ما يمنع أي تداخل مالي أو إساءة استخدام للأموال.
وعلى مستوى السوق، أدى حساب الضمان دوراً محورياً في تعزيز الانضباط المالي لدى المطورين، والحد من المخاطر النظامية، وهو ما انعكس مباشرة على نمو القطاع. أما بالنسبة للمشترين، فإن الحماية تبدأ من ضمان توجيه أموالهم للمشروع ذاته، ولا تنتهي عند ذلك، إذ يتم الاحتفاظ بنسبة من قيمة المشروع بعد الإنجاز لضمان معالجة أي عيوب، كما توجد آليات واضحة للتعامل مع تعثر المشاريع، سواء باستكمالها أو إعادة الأموال.
وأضاف الذرعاوي: في ما يتعلق بمستقبل هذا النظام، يبرز تساؤل حول إمكانية تخفيض النسبة المطلوبة (20–30%) لبدء الصرف من حساب الضمان. فمن وجهة نظري، لا ينبغي التعامل مع هذا الأمر بشكل عام، لأن نجاح دبي في هذا المجال قائم على التوازن بين المرونة والحماية. التخفيض الشامل قد يفتح الباب أمام مخاطر غير محسوبة، خصوصاً مع تفاوت قدرات المطورين.
والأفضل هو اعتماد نهج مرن قائم على تصنيف المخاطر، بحيث يمكن منح تسهيلات للمطورين ذوي السجل القوي والضمانات المالية الكافية، مقابل الحفاظ على مستويات أعلى من الحماية في المشاريع ذات المخاطر الأعلى. ولم يكن حساب الضمان مجرد إجراء تنظيمي، بل كان ولا يزال أحد أهم أسباب استقرار السوق العقاري في دبي.
حجر الأساس
ويقول موريس سالم، الشريك في «آرثر دي ليتل»: يُعدّ نظام حساب الضمان العقاري في دبي حجر الأساس الذي بُنيت عليه الثقة في سوق البيع على الخارطة، إذ حوّل هذا النظام عملية الشراء من مغامرة محفوفة بالمخاطر إلى فئة استثمارية منضبطة وقابلة للتمويل، من خلال تخصيص حساب مستقل لكل مشروع لا يستطيع المطوّر السحب منه إلا مقابل إنجاز فعلي ومُوثّق على أرض الواقع، وليس من قبيل الصدفة أن تستحوذ مشاريع البيع على الخارطة اليوم على النصيب الأكبر من الصفقات السكنية في الإمارة. أما اشتراط ال 20% المُقدمة، فكثيراً ما يُساء فهمه على أنه عبء على المطوّرين، في حين أنه في جوهره أداة لفلترة الملاءة المالية: فهو يضمن أن يكون للمطوّر التزام حقيقي برأس ماله في المشروع، ويُقصي اللاعبين غير المؤهلين مالياً الذين قد يلجأون إلى تمويل مشاريعهم من أموال المشترين - وهي بالضبط الإشكالية التي أثرت سلباً في السوق في مرحلة ما قبل 2008. ولذلك، فإن طرح خفض هذه النسبة هو نقاش في الاتجاه الخاطئ، فسوق ناضجة كسوق دبي يجب أن تتجه نحو معايرة أذكى - كاعتماد اشتراطات متدرّجة مرتبطة بسجل المطوّر وسابقة أعماله، وتعزيز الشفافية الآنية للمشترين.
بدوره، قال أحمد عبد اللطيف، مستشار عقاري «ويل آند ريتش»: يُعتبر نظام حسابات الضمان العقاري في دبي من أهم العوامل التي أسهمت في استقرار السوق العقاري خلال السنوات الماضية، خصوصاً في مشاريع البيع على الخارطة. من خلال إلزام المطورين بإيداع أموال المشترين في حساب مخصص لكل مشروع، وربط السحب بنسبة الإنجاز الفعلية، تم الحد بشكل كبير من المخاطر المرتبطة بسوء إدارة السيولة أو تحويل الأموال بين المشاريع. هذا الإطار عزز مصداقية المطورين ورفع مستوى الشفافية، ما انعكس على ثقة المستثمرين المحليين والدوليين.
بدر حارب: ركيزة للاستقرار وثقة المستثمرين
قال بدر سعيد حارب، رئيس مجلس إدارة صندوق «غلوبال بارتنرز» العقاري الثاني: إن نظام حسابات الضمان ليس خياراً تنظيمياً، بل هو ما يفصل بين سوق يمكن الوثوق به، وسوق لا يمكن الوثوق به. وما فعلته دبي هو فرض قاعدة بسيطة: لا أموال دون إنجاز. هذه القاعدة غيّرت كل شيء. أنهت مرحلة كانت تُحرّكها التوقّعات، وفرضت واقعاً لا يُبنى إلا على التنفيذ.
وهذا ليس تنظيماً، إنه انضباط، وهو ما سمح لسوق يتجاوز 528 مليار درهم في التصرفات، أن يستمر في النمو بثقة، لا بضجيج. والثقة هنا ليست شعاراً، هي نتيجة نظام يفرض المساءلة على الجميع، دون استثناء.
وأضاف: السوق اليوم لا يحتاج إلى طمأنة، يحتاج إلى وضوح. ونظام الضمان هو هذا الوضوح. كل درهم في السوق مُراقَب. كل مشروع مرتبط بتقدّم فعلي. لا مجال للمناورة، ولا مساحة للغموض. لهذا السبب، يدخل 95 ألف مستثمر في نصف عام واحد، منهم 60 ألف مستثمر جديد. ليس لأن السوق نشط فقط، بل لأنه قابل للتوقّع. والمستثمر اليوم لا يبحث عن فرصة، بل عن نظام لا يخونه. ودبي قدّمت هذا النظام.واعتبر حارب، أن النسب الحالية 20 إلى 30% ليست عائقاً، بل اختبار جدّية. من لا يستطيع الالتزام بها، لا يجب أن يكون في هذا السوق من الأساس. وقوة دبي، لم تأتِ من المرونة الزائدة، بل من الصرامة الواضحة. وأي محاولة لتخفيف هذه الصرامة ستُترجم مباشرة إلى تآكل في الثقة