عادي

استورياس.. أديب فضح شركات الموز في جواتيمالا

03:02 صباحا
قراءة 3 دقائق
القاهرة: «الخليج»

أعلنت الأكاديمية السويدية في عام 1967 عن فوز الكاتب الجواتيمالي «ميجل أنخل استورياس» (19 أكتوبر 1899- 9 يونيو 1974) بجائزة نوبل للأدب «لإنجازاته الأدبية الحية، وتعمقه في الكتابة عن صفات وتقاليد الشعوب الهندية في أمريكا اللاتينية»، وكان «استورياس» من أوائل الروائيين الذين تناولوا موضوع الاستبداد، وتبعه في ذلك كثير من الروائيين، وأدت معارضته للديكتاتورية إلى قضاء معظم حياته في المنفى.
عاش «استورياس» طفولة قاسية، ومارس النشاط السياسي، عندما كان طالباً في الجامعة التي حصل منها على إجازة في الحقوق، ثم ذهب إلى باريس عام 1923 ليدرس القانون الدولي، لكنه اتجه إلى دراسة علم السلالات في السوربون، حين تعرف إلى النصوص الكلاسيكية لأدب الهنود الحمر، وقام بترجمة الكتاب المقدس لشعوب المايا، ثم دوّن الأساطير الهندية التي كانت ترويها له أمه، في مجموعته القصصية «أساطير من جواتيمالا» التي كتب مقدمتها الشاعر الفرنسي بول فاليري، الذي نصح «استورياس» بأن يعود إلى وطنه الأم، ليغترف المزيد من تلك الحكايات، حتى لا يصبح مجرد مقلد لكتابات فرنسية.
في أوروبا تسنى له التعرف إلى شخصيات أدبية مرموقة، والتأثر بالحركات الأدبية، فقد عاش التحولات الكبرى التي كانت تشهدها القارة العجوز آنذاك، وانخرط في دراسة علم الأنثروبولوجيا لحضارة «المايا» التي كان يمتد نفوذها من المكسيك إلى بلاده، مروراً ببلدان أمريكا الوسطى الأخرى، فثقافة المايا تقوم أساساً على نظرتها الكونية التي تقيم عالماً قوامه التفكير السحري الذي يتفجر خصباً وثراء في مختلف أعماله الأدبية.
عاد «استورياس» إلى جواتيمالا عام 1933 وأصبح أستاذاً جامعياً، كما عمل في الصحافة والسلك الدبلوماسي، وأسهم في تأسيس الجامعة الشعبية لجواتيمالا، لمنح غير القادرين فرص التعليم، خاصة الذين لم يستطيعوا الالتحاق بالجامعة الوطنية، ليكون رائداً للتعليم المجاني في جواتيمالا، فالجامعة أسهمت في انتشار التعليم العام والمجاني، وفتح المجال أمام أبناء الطبقات المهمشة.
وفي علم 1946 أصدر روايته «السيد الرئيس» وهي رواية ترسم صورة الديكتاتورية في أمريكا اللاتينية، ما عرّضه للملاحقة والاعتقال في الأرجنتين، ولم تنشر الرواية إلا عام 1952.
استمد «استورياس» مادة روايته من سنوات حكم «كابريرا» لجواتيمالا، الذي استمر عشرين سنة، وقد كتبت الرواية باللغة الإسبانية عن حال بلد في ظل رئيس، يقتل بالسهولة التي يتناول بها طعامه، ويصدر قراراته الدموية بالرقة التي يخاطب بها النساء، لقد حوّل وطنه إلى جحيم ومرتع للصوص والقتلة المأجورين، فمعاونوه مسوخ آدمية مشوهة، ومواطنوه مقهورون، وسجونه مملوءة بشعراء ومثقفين ورجال دين، وفي محاكمه تغيب العدالة.
نُشرت الرواية أولاً في المكسيك، وقد كتبها استورياس أثناء إقامته في باريس، إلا أنه لم يتمكن من نشرها آنذاك، بسبب الرقابة التي منعت نشرها بحجة سخريتها من كابريرا وحكمه، مع أن الرواية لا تذكر أسماء أشخاص، أو أماكن معينة، وفيما بعد اعترف ميجل أنخل استورياس بأنه عندما كان يكتب تلك الرواية تسرب إليه منها جو الرهبة، والذعر الذي يتخللها، ورغم أن اسم «كابريرا» لا يظهر في النص، إلا أن هناك إشارات وإيماءات عدة ترمز له.
بعد هذه الرواية، عاد استورياس إلى عالم الأساطير فنشر رواية «رجل من الذرة» المستمدة من تراث المايا، وتكمن أهميتها في كونها عملاً تختلط فيه الأساطير بالواقع، والحلم بالحقيقة، وتقدم بمهارة مراحل التطور التي تعيشها الإنسانية، من مجتمع بدائي، أمي، مغلق، إلى عالم معاصر متفتح.
تابع «استورياس» الكتابة في المنحى نفسه، في ثلاثيته عن شركة الموز، وقد نشر الجزء الأول منها وعنوانه «العاصفة» عام 1950 والجزء الثاني «البابا الأخضر» عام 1954، والجزء الثالث والأخير «عيون المدفونين» عام 1960 في هذه الثلاثية يكشف «استورياس» النقاب عن «شركة تروبيكال للموز»، فالثلاثية صرخة في وجه استغلال جهد عمال مزارع الموز في جواتيمالا، هذه الشركة التي ولدت من أحلام البسطاء والفقراء، وتعتمد في وجودها على الأيدي العاملة التي يتم وضع اليد عليها بشتى الطرق.
كتب «استورياس» أيضاً عدداً من الروايات منها «اللص الذي لم يكن يؤمن بالسماء»، و«حكاية الرجل الذي يملك كل شيء»، وقبل هذا كان قد نشر مجموعة قصصية بعنوان «عطلة نهاية الأسبوع في جواتيمالا»، وتدور حول واقعة اجتياح مشاة البحرية الأمريكية جواتيمالا في عام 1954 وهو الاجتياح الذي أدى إلى سقوط الحكومة الوطنية التي كان استورياس يقف بجانبها، ما أدى إلى نفيه إلى بيونس آيرس، وقد أدى وقوفه إلى جانب كاسترو إلى طرده من الأرجنتين عام 1962 فعاد إلى باريس، وفي مدريد وافته المنية وهو في قمة نشاطه، لكنه دفن في إحدى مقابر باريس بعد أن وهب المكتبة الوطنية مخطوطاته.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"