هكذا يبدأ الصراع الأيديولوجي كمقدمات لحرب أهلية باردة، سرعان ما تجد من يعلفونها بالمزيد من النار.. سنّة وشيعة، ومسيحيون ومسلمون، وسود وبيض، وأغنياء وفقراء إلى آخر القائمة.ولم تكن متوالية الانشطار والتذرر هذه بحاجة الى عبقرية تتنبأ بها، فهي من صميم التاريخ عبر كل مراحله، وان كانت تزدهر في فترات الانحطاط، وغلبة الاثرة الشخصية على الايثار الوطني، وتغليب العاجل على الآجل حتى لو كان مجرد غنيمة يعف عنها الغراب.وحين بدأ الحديث عن صراعات في العراق بين مثلث طائفي ومربع عرقي ومسدس مجهول النسب، كان لا بد للمراقب ان يتوقع ما جرى خلال السنوات الخمس العجاف التي أهلكت الزرع والضرع، وأيبست البلاد وشردت العباد، لأن الغابة كما يقول موروثنا يشعلها حتى آخرها عود ثقاب. وما من سبيل للاستدراك أو الوقاية إذا كان الداء قد استفحل.وحين تبدأ حروب الطوائف لا تتوقف عند حدّ فالسّنة يتعددون، وكذلك الشيعة والمسيحيون، تماماً مثلما انقسم الأكراد على أنفسهم في أكثر من مكان وزمان.وما يحدث في العراق من تآكل وطني تحت شعارات الطوائف يجزم بأن من يفاضلون بين هويتهم الأم والهويات الفرعية الصغرى لمصلحة هذه الأخيرة قد يخسرون المشْيتين والهويات كلها، لأنهم يتحولون الى فريسة دائخة من فرط النزيف، وهدف ميسور حتى لبغاث الطير.هكذا تبدأ الدراما الانتحارية بين الطوائف والأعراق، لكنها لا تنتهي على الاطلاق، لأنها تفرز بمرور الوقت ثقافة مضادة لأبسط بدهيات الالتئام الوطني، وتفرز ايضاً مناخات مفعمة بالكراهية، والثأرية، وكل ما له صلة بالاقصاء المتبادل.ان الطائفة أو التيار أو الحزب الذي يحتكر الحقائق والوطن، ويسعى الى اقصاء توائمه حتى لو كانوا لدودين لن يسلم من الجرثومة التي حاول بثها، لهذا فالجميع الآن يدفعون الثمن.يدفعونه في لبنان والعراق وفلسطين، وقد يدفعون أضعافه في المستقبل المنظور إذا استمرت هذه الغيبوبة السياسية، فالعرب لهم غزاة راهنون وآخرون قادمون يشحذون الاسنان ويسيل لعابهم كالضباع على ما تبقى من اشلاء.. فهل يكفي هذا أو عينات منه على الأقل لإعادة المصابين بجنون الاستفراد والزعامة إلى رُشدهم الوطني؟أم أن التوغل في العمى والافراط في الاقصاء المتبادل سيحولان الذبيحة إلى كائن ماسوشي يستمرئ المزيد من الذبح والمزيد من الألم؟ما من مرّة على الاطلاق سلمت فيها جرار من ظنوا أنهم نجوا من الحروب الأهلية لأن الفخار كما يقال يتولى كسر بعضه، وثمة من يتربصون بما يتبقى من أطلال ومقابر لشعوب أعطب العصاب الطائفي بوصلتها.