على بعد 93 سنة ضوئية، يقع رأس الغول، وهو نجم يظهر مرة واحدة كل ثلاثة أيام تقريباً بلونه الأزرق المبهر ثم يتحول إلى الأحمر ويتلاشى مرة أخرى، هذه الظاهرة، أي الظهور والاختفاء، سببها أن رأس الغول أصله نجمان، أحمر وأزرق، يخفي كل واحد الآخر بسبب دورانهما حول بعضهما . أطلقت عليه مخطوطات الإغريق، عين ميدوسا غورغون، واسمه مستمد من الكلمة العربية غول أي الشيطان . والآن وبفضل التقنيات الحديثة، تغيرت نظرة العامة إلى هذا النجم، ولكن ما زالت هناك معلومات مشفرة صيغت منذ 3 آلاف عام، موجودة في آثار الحضارة المصرية . والغول مصنف في العقلية البشرية بالنجم المؤذي منذ أن رصده عالم الفلك جون غودريك عام ،1783 حينها كان جون غودريك ابن 19 عاماً، وكان مصنفاً من هواة رصد الظواهر الفلكية الغريبة . وهو الذي بعث برسالة إلى الجمعية الملكية في لندن، قال فيها إن السبب في تغير لون النجم، هو مرور جسم من أمامه بصورة دورية . وهو الرأي الذي أكده الفلكي إدوارد بيكرينغ من جامعة هارفارد عام 1881: حيث ذكر أن رأس الغول، هو أكثر من نجم واحد .
وفقا للنظريات الحالية، فإنه لا يمكن وجود نجمين في مساحة فضائية صغيرة بحجم الحيز الذي يشغله نجما رأس الغول . وعليه اعتقد الكثيرون في السابق، أن أحد نجمي رأس الغول عبارة عن طبقات من الغاز، والآخر على شاكلة سحب كثيفة تدور داخله . ولكن عبر قرون من الملاحظات، خلص العلماء إلى أن رحلة دوران نجمي الغول على نفسهما، يعادل 867 .2 يوم أو 68 ساعة و48 دقيقة، وهذا يعني أن كل كسوف يدوم نحو10 ساعات، مع وجود بعض التغيرات العشوائية طويلة المدى، وهذا التباطؤ ربما ناتج عن الاختلاف في المجالات المغناطيسية .
وأجرى عالم الفضاء سيباستيان بروسيدو بالتعاون مع جامعة هيلسينكي في فنلندا عام 2006: بحثاً علمياً لحل لغز الغول وما يدور حوله من اختلافات، وذلك بدراسة ارتكزت على ناحيتين، الأولى فلكية والثانية مقارنة الأولى بما ورد في علم المصريات .
ويقول بروسيدو: اقترحت على تويفاري فيتالا وهي متخصصة في علم المصريات، النظر في تقويم النجم وتعيين الأيام التي يحدث فيها الكسوف، لأن ذلك يمثل قاعدة معلوماتية ممتازة، للتنبؤ بأي ظاهرة مقبلة .
وفي الحضارة المصرية القديمة، فإن هذه التقويمات الموجودة على ورق البردي، تعادل في كثير من الأحيان تكهنات جيدة وسيئة لأيام وأجزاء من الأيام، فالسيئة منها ربما تعني التكهن بالجوع والعطش أو المرض . مثل من يولد في يوم كذا فهو سيئ الحظ، لذلك ترى فيتالا، أنه من الحماقة أن يتم وضع مثل هذه الأفكار كأساس لدراسة علمية، ولكنها لم تنفِ أن بعض التكهنات قابلة للتصديق، مثل اليوم الأول من الشهر فهو دائماً جيد، الأمر الذي جعل بروسيدو يتساءل عمّا إذا كانت هناك معلومات خفية تسببت في حجب الإحصاءات المرتبطة بمثل هذه التكهنات الدينية والمهرجانات الموسمية الموجودة في بردي الحضارة المصرية .
وبالبحث عن مثل هذه الأنماط الخفية، ابتكر بروسيدو أداة إحصائية أطلق عليها اختبار رايليغ، وهي نظرية تعادل استخدام الجدول الزمني لتوجيه حركات شخص ما يبدو من خلال التقويم، أنه يتحرك بانتظام زمني بين أماكن مختلفة، لنقل كل أربعة أيام يقرأون خلالها كل التكهنات التي تتيح لهم وجوده في مكان آخر، ويستخدمون، أي المتابعون لحركته، تواريخ متعددة وتوظيفها لصناعة خوارزمية تجعلهم قادرين على التنبؤ بأية خطوة يتخذها في الاتجاه المعين، وهذه هي التي تقوم عليها معظم نظريات الفضاء التي وضعت التقويم العادي لكوكب الأرض وبالتالي سائر الكواكب . فإذا كان الفاصل الزمني المختار لا يطابق أياً من تنبؤاتهم، فهذا يعني أن الخطوات التي اتخذوها في حسابهم، تميل إلى إلغاء بعضها بعضاً .
يقول لوري جيستو المشرف على بحث بروسيدو: لنفترض أن شخصاً غادر مكاناً معيناً من دون أن يدري إلى أين يسير، فهذا لا يمكن أن يكون من الأشخاص الذين يتيحون للخوارزمية معرفة تحركاتهم، ولكن إذا كان من الذين يمارسون حياتهم على وتيرة منتظمة، فمن السهل معرفة مكانهم وإن كان بالتقدير .
طبّق بروسيدو نظريته في التقويم الموجود في ورق البردي أو ما يسمى بتقويم القاهرة، الذي يعود تاريخه إلى مملكة مصر الجديدة، 1550 - 1069 قبل الميلاد . والنتيجة أنه عثر على ما يؤكد أن المصريين القدماء حددوا ظهور الغول بنحو 5 .29 يوم، أي ما يعادل الشهر القمري .
يقول بروسيدو: ما توصلت إليه لا يعطي معلومات إحصائية ذات أهمية، ولكن أهم ما فيها أننا لم نكن نولي اهتماماً كبيراً للمعلومات الواردة في تلك المخطوطات المهمة .
وهناك افتراض معقول، نظراً إلى وجود دورة قمرية، هو أن هذا يتوافق مع النظريات الفلكية المتعارف عليها، لاسيما تلك التي تعرف بانتظام الحركة التبادلية بين النجوم والكواكب . وهذا يعني أن كهنة مصر القديمة، كانوا يرصدون بانتظام تغيرات النجوم وبذلك يمكن القول إن التقويم ليس باقتراح جديد على البشرية . ومنذ أن تعرف الإنسان إلى بوادر هذه النظرية، بدأ يتجه إلى تحديد أي عامل قد يفسد حقيقة القدماء التي وضعوها مرتكزين على تقنيات بسيطة . وعلى الرغم من أن الفرق بين تقويم نجمي الغول، والتقويم الأرضي يعادل 20 دقيقة فقط،فإن العلماء وصفوه بالطويل والمؤثر، لكنهم أضافوا أن العامل الأهم هو تغيير مفاهيم العامة عن أن النجم له علاقة بعدم الحظ .
وزيادة 20 دقيقة أو أكثر خلال 3000 سنة يمكن أن تكون هي بالفعل خوارزمية ضبط التقويم الخاص بالنجمين اللذين يعادلان نحو ثلاثة أرباع كتلة كوكب المشتري، أي خمسة أضعاف كتلة قمر الأرض . هذه الكتلة على مقربة من النظرية التي وضع بها العلماء تقديرات تقويم الغول، فإذا كان هناك تباطؤ مداري فقد يكون السبب في حجبه لفترات أطول مما هو عليه، وهذه النقطة موجودة في البيانات القديمة التي خطها كهنة فرعون التي تبين لنا أن بعضها صحيح ويحدث على أرض الواقع . ولدى خبراء علم الفلك في مصر القديمة مشاعر مختلطة عن هذا الأمر، فقد أظهرت المخطوطات، أن أحدهم كان مشاركاً في أحد الآراء الأصلية وتبين ورقة بردي أخرى من الحقبة نفسها أنه كان رافضاً وغير متفق مع بعض ما جاء به الكهنة .
يضيف بروسيدو التحليل بالانطلاق من نقطة فلكية ورياضية هو الطريق الصحيح، لكنني مقتنع بأن هناك إشارة تبدو أنها تطابق تقويم الغول ببعض النجوم والأجرام السماوية الأخرى . وترى سارة سيمونز المتخصصة في علم الفلك الخاص بالحضارة المصرية القديمة، والمحاضرة في جامعة ماكماستر في هاملتون بكندا، أن هناك عدة أدلة واضحة بأن أول من رصد نجم الغول هم قدماء المصريين، لذلك يجب أن ننظر إلى علماء الفلك في الحضارة المصرية القديمة، بأنهم أكثر استنارة مما نعتقد .
ومن الأخطاء التي وقع فيها فريق جامعة هلسنكي، هو نشرهم دراسات بدائية لّمحوا فيها عن أن الغول هو في الواقع ثلاثة نجوم، وهذا يعني، حسب ما كانوا يرون، أن ال 3 آلاف سنة الماضية، ربما شهدت تقلبات فيه . ونشرت مجموعة أخرى من الفلكيين صوراً لهذا النجم تبين فيه أن مداره يظهر نجماً ثالثاً يتخذ موضعاً بزاوية قائمة عندما تتوازى الأخرى مع الأرض .
وحتى في أواخر عهد مصر القديمة، فإن نجم الغول الذي يسمونه حينها بالشيطان، أظهرت بعض المخطوطات أنه بدأ في كثير من الحالات يعكس ضوئه على مياه النيل . ولكن علماء العصر الحديث علقوا بأن هذه معلومات لظواهر طبيعة أي نجم، وما ورد ما هو إلا آراء لكهنة يقدمون المشورة لعامة الناس ويدلونهم إلى أفضل الأوقات للاحتفال .
تقويم الفراعنة
في الوقت الذي اعتقد فيه العلماء أن الكهنة الفراعنة اتخذوا من النجوم مصدراً لتحديد أيام العطل والاحتفالات، ظهرت أدلة أخرى تشير إلى أن المجتمع المصري القديم، اعتمد على نوع آخر من الأجرام السماوية لتحديد المواسم الزراعية والأعياد والمناسبات الرسمية .
وقد أثيرت هذه الفكرة بعد الكشف عن مجموعة من القطع الأثرية المصنوعة من الحديد والنيكل تعود إلى نحو 3300 قبل الميلاد في مقبرة قديمة على ضفاف نهر النيل جنوبي القاهرة، وعلى الرغم من أن أي مخطوطة معدنية هي في العادة مرتبطة بتكوين النيازك، إلا أن هذه القطع كانت الأقرب لما طرحه الكثيرون عن تقويم المصريين القدماء . وتبعتها رحلات كشفت عن مجموعة من القطع مقتنيات قبر توت عنخ آمون . وتقول ديان جونسون متخصصة النيازك في الجامعة المفتوحة في ميلتون كينز بالمملكة المتحدة: ربما الحديث عن اسم النيزك الناري الذي ورد في المخطوطات المصرية، يدل على اعتقادات لها علاقة بالقوة والجبروت .
وحديث جونسون، استمدته من نظرية البريطاني جيرالد آفيري المتخصص في علوم المصريات، الذي كشف عن مواقع أثرية عدة في مصر عام 1911 . وهو الذي لاحظ أن تفسير العديد مما ورد عن النيازك جاء واصفاً إياها نتيجة للبرق، إذ إلى الشمال من جدار مقبرة توت عنخ آمون، وجد آفيري لوحة تظهر، فيما يبدو، أحداً يجري حاملاً لوحاً من الحديد على رأسه ليقيه من البرق أو النيزك . ما يشير إلى أن قدماء المصريين يرجح أن البرق والنيزك ربما ارتبطا عندهم بخصائص سحرية ولكن من الصعب أن يثبت العلماء أي أشياء من هذا القبيل، لا يمكننا إثبات ذلك إلا بعد النظر في القطع الأثرية، تقول جونسون . وفي بحث لجونسون وزملائها من جامعة مانشستر بالمملكة المتحدة، أجريت دراسات مستفيضة بالمجاهر الإلكترونية التي تعمل بالأشعة السينية حاولوا رصد عدد من العينات الموجود في الحضارات القديمة، ومقارنتها بالحقائق العصرية الحديثة .