يعاني نموذج «الدّيمقراطيّة التّمثيليّة»، المطبَّق في دول الغرب وفي قسمٍ كبير من دول العالم، طائفة من المعضلات لم يَنِ عن الإفصاحِ الجهيرِ عنها في تاريخه الحديث والمعاصر، كما لم يتوقَّف الفكرُ النّقديّ - منذ القرن...
بين الأجيال الجامعيّة الجديدة ومصادرِ المعرفة السّابقة انقطاعٌ شديد وخطر يوشك على إنجاب ظاهرةِ انعدامِ ذاكرةٍ معرفيّة لديها، ويُضيِّق الخناقَ على تاريخ الفكر لديها حتّى ليصبحَ تاريخاً لِما بعد الحداثة حصراً! وجْهُ الإعضال، هنا، أنّ ما بعد الحداثة لا تُدْرَك، على التّحقيق، إلاّ متى دُرِستِ الحداثةُ وصارت أدوارُها مُستَبْيَنَة، وهذه ليست تَجْلو وتَضِحُ إلاّ إنْ عُلِمَ، على وجْهٍ من السّعة، ما قبلها: والحال إنّ الانقطاع المشارَ إليه لا يسمح بذلك، وهو انقطاعٌ يقدِّم نفسه في شكلِ انهيارِ صروحٍ للفكر والثّقافة كانت، إلى عقودٍ خَلَت، من مألوفات النّظام التّعليميّ والجامعيّ. لقد انهار الدّرسُ الأدبيّ الكلاسيكيّ: اليونانيّ والعربيّ، في وجوهه كافّة (التّراجيديا الشّعريّة والمسرحيّة الإغريقيّة، والشّعر والنّثر الفنّيّ والمقامات وفنّ الخطابة والنّقد الأدبيّ وعلوم البلاغة، من بيانٍ وبديع ومعاني، عند العرب)، وانهار درس النّهضة في أوروبا والحساسيّة الجماليّة الجديدة التي تولّدت، في هاتيك الحقبة، في المعمار والكتابة الشّعريّة والموسيقى والرّسم والنّحت، فغزت مجموع القارة من مسقط رأسها الإيطاليّ، وانهار الدّرس الأدبيّ الكلاسيكيّ الجديد في أوروبا القرنين الثّامن عشر والتّاسع عشر (والرّواية الفرنسيّة في القرن 19 أعلى تجلّياته)، مثلما انهار الدّرس الأدبيّ العربيّ الحديث، فلم يَعُد يعْلَم جِيلٌ جديد مَن يكون أحمد فارس الشدياق، ولا إبراهيم اليازجي، ولا أديب إسحق، ولا بطرس البستاني، ولا أحمد شوقي أو ميخائيل نْعَيْمَة أو بدوي الجبل، ولا طه حسين أو شوقي ضيف أو نجيب محفوظ، ولا من يكون مارون عبّود أو إحسان عباس أو بدر شاكر السياب... إلخ ! ونظير ذلك انهار الدّرسُ الفلسفيّ الكلاسيكيّ (الفلسفة اليونانيّة، الفلسفة المسيحيّة الوسطى، الفلسفة العربيّة الإسلاميّة)، وانقطعتِ الصّلة به، أو هي تكاد أن تنقطع به، فاختفى تراث أفلاطون وأرسطو وأفلوطين، وتراث القدّيس أوغسطين وتوما الأكوينيّ، وتراث الكنديّ والفارابيّ وابن سينا والسّجستاني والرّازي ويحيى بن عديّ وابن باجة وابن طفيل وابن رشد...، وما عاد لذلك مكان في التّداول الجامعيّ، وما عاد جِيل من المتعلّمين يعرف عنه سوى الأسماء! ولقد أصيب الدّرس الفلسفيّ الحديث بالمُصاب الجَلَل ذاتهِ، تضاءلتِ الصّلة - إلى حدود العدم - بالتّراث الفلسفيّ الغربيّ الحديث (ديكارت، لايبنتز، هوبس، سينوزا، جون لوك، مونتيسكيو، روسو، كَنْت، فويرباخ، هيغل، ماركس، طوكفيل...)، والتّراث الفلسفيّ العربيّ الحديث (فرح أنطون، طه حسين، مصطفى عبد الرَّازق، زكي نجيب محمود، عثمان أمين)، فانفصل عنه جِيلٌ كامل صَرَفَهُ أساتذتُه نحو «منظومات» ما بعد الحداثة حصراً، فخرج معرفيّاً «من المولد بلا حمّص»، كما يقول المَثل الشّعبيّ! من النّافل القول، إذن، إنّ واحداً من أكبر أسباب هذا الإفراط المَرَضيّ في استهلاك خطابات ما بعد الحداثة، وإعادةِ إنتاجها في تأليفات استعراضيّةٍ تبشيريّة، إنّما مردُّهُ إلى هذا الذي أصاب النّظام التّعليميّ الجامعيّ في البلاد العربيّة من تراجُعٍ خطر في رسالته العلميّة! لسنا نَجْحَد حقَّ دعاة ما بعد الحداثة في ترويج أفكار تيّارات ما بعد الحداثة في تآليفهم التي يضعونها للجمهور القارئ عامّةً، وفي دروسهم ومحاضراتهم التي يُلقونها في الجامعات على طلبتهم، فذلك من صميم حقوقهم الفكريّة التي يتمتّعون بها، ومن صميم حرّيّة البحث العلميّ الذي تكفله القوانين في الدّول الدّيمقراطيّة. خلافنا معهم يدور على مسألةٍ أخرى: كيف يكون المرء داعيةً إلى ما بعد الحداثة، متحمّساً لها، ومناضلاً عنها، في مجتمعٍ وفي ثقافةٍ لم يَعْرفا الحداثةَ بعد، ولم يتشبَّعا بها؟ كيف يمكن لهذه القفزة في الهواء (غير التّاريخيّة) أن تمرَّ بوعيهم من دون أن تترك فيه أثراً من سؤالٍ أو تساؤل؟ بل كيف لا ينتبه أولاء، وهُم يُمطرون الحداثة بوابلٍ من النّقد والتّقريع، مردّدين مَقُولَة أصحابها في الغرب، إلى أنّهم يتقمّصون شخصيّات وأدواراً ليست من نسغ واقعهم الاجتماعيّ والثّقافيّ؟! لا يكفي، في مثل هذه الحال، أن نقول إنّ وعيَهم ضحيّة نظامٍ تعليميّ جامعيّ انتقائيّ وتبشيريّ ضحل - وإن كان هذا صحيحاً - بل ينبغي أن نتساءل عن حصّتهم وسهمهم في المسؤوليّة عن هذا الوعي البرّانيّ، غير التّاريخيّ، الذي تُفْصح عنه هواجسُهم المعرفيّة وكتاباتُهم.
للتّبعيّة الاقتصاديّة معنًى رديفٌ لمفهومها النّظريّ، بما هي خضوعٌ بنيويّ للنّظام الاجتماعيّ- الاقتصاديّ المسيطِر والحاكم (نظام المركز)، والمعنى الرّديف هذا - وهو أوضحُ في الدّلالة على التّبعيّة - هو فِقدان السّيادة الاقتصاديّة للبلد والدّولة اللّذيْن تنشأ فيهما تلك التّبعيّة، إذِ الأصْل في المسألة أنّه لا سيادة لدولةٍ على ثرْواتها، ومقدّراتها، وإنتاجها، وسياستها الاقتصاديّة، وغِذاء شعبها... إنْ كانت بنياتُها الاقتصاديّة والإنتاجيّة مشدودةً، بخيوط التّبعيّة، إلى بنيات ميتْروبوليّة خارجيّة تسيطر عليها وتتحكّم فيها وتقرّر مصيرها. والقاعدةُ في هذا أنّ التّابع لا يكون سيّداً على نفسه: أكان فرداً أو جماعةً (شعباً، دولةً...). لسنا نقصد بهذا تلك السّيادةَ الاقتصاديّةَ والإنتاجيّة المطلقة التي يستغني بها صاحبُها عن غيره وعن كلّ تعاوُنٍ مع غيره، فمثل هذا الضّرب المطلق من السّيادة شأنٌ يستحيل، اليوم، حتّى على كبرى الدّول وأكبر الاقتصادات في العالم، فكيف بالسّواد الأعظم من الدّول والاقتصادات التي هي دون الأولى عِظماً، إنّما نعني ذلك الحدّ الأدنى من السّيادة الذي يُحرِّر صاحبه من الضّغط والابتزاز الخارجيّين لسدّ حاجته، ويسمح له بالتّصرُّف مع الخارج بقدرٍ ملموس من النِّدّيّة وعلى النّحو الذي يَحُدّ من مفاعيل علاقات التّبادل اللاّمتكافئ. فِقدان السّيادة وفِقدان الاستقلال وجهان للعملةِ عينِها، أكان ذلك في ميدان الاقتصاد أو في السّياسة أو في غيرهما من ميادين الاجتماع، وهُما يقودان إلى حالةٍ واحدة هي فِقدان الأمن الاقتصاديّ الذّاتيّ: الأمنُ الذي من دونه ما من سبيل إلى الحديث عن اقتصادٍ وطنيّ أو قوميّ، ولا من سبيل إلى تنمية اقتصاديّة واجتماعيّة لبلدٍ مّا تغطّي الاحتياجات وتقلِّص مساحةَ الالتجاء إلى الخارج والوقوعِ تحت وطأة شروطه سعْياً وراء سدّ تلك الاحتياجات. من تَبَدّيات فقدان الأمن الاقتصاديّ لبلدٍ مّا ما يقع من فقدانٍ لوجوهٍ عِدّة من الأمن: الأمن الزّراعيّ، الأمن الغِذائيّ، الأمن المائيّ...إلخ، هذه التي إذْ تُصاب في مقتل، تدُلُّ على أنّ حال الأمن الاقتصاديّ إلى انحلالٍ وتفسُّخ، وأنّها حال ستنعكس - حكماً - على مجمل الميادين الاجتماعيّة الأخرى مستجِرّةً عليها أسوأ العقابيل، إذِ القاعدةُ الذّهبيّة، هنا، هي تلك التي تقول إنّ من لا يملك أن يوفِّر قُوتَه بنفسه، لا يمكنه أن يملك قراره... هذا ليس ترتيلاً ذهنيّاً لاحتمالاتٍ نظريّة قد تصْدُق في الواقع أو لا تصْدُق، بل هذا واقعُ حالِ البلدان التي ترزح في أغلال التّبعيّة، منذ حقبة استعمارها، ولَمّا تعثُر بعد على سبيلٍ إلى كسر حلْقات التّبعيّة المكبَّلَة بسلاسلها والظّفرِ بفرصة الاستقلال الوطنيّ الحقيقيّ. أكثر بلدان العالم من هذه الفئة من بلدان التّبعيّة، ولعلّها تمثّل ثلاثة أرباع بلدان العالم، الأمرُ الذي يفسّر الزّيادات المطّردةَ في أنواع الأزمات التي تعصف بالعالم وتقود إلى إشعال الحروب والاضطرابات فيه. ولقد يزيد طينَ هذه الحال من فقدان السّيادة والاستقلال والأمن بِلّةً أنّ بلدان التّبعيّة، التي تعاني اقتصاداتُها ذلك الفقدان، يرزح بعضٌ منها تحت أثقال معضِلة اقتصاديّة إضافيّة تصطنعها دول المركز الإمبرياليّ هي العقوبات الاقتصاديّة التي تصل، في كثيرٍ من الأحيان، إلى شلّ النّظام الاقتصاديّ والماليّ في البلد الذي تقع عليه، وحرمانِ شعبه من أبسط الحقوق الإنسانيّة في العيش. صحيحٌ أنّ استخدام سلاح العقوبات الاقتصاديّة وَقَع حتّى على بلدان ذاتِ اقتصادات قوميّة قويّة، مثل الصّين وروسيا، وأثَّر فيها (روسيا خاصّة) من دون أن يطرحها أرضاً، لكنّه في حالة البلدان الصّغيرة (العراق، ليبيا، سوريا...) يكون أشدَّ وطأةً، بل يكون قاتلاً ومدمّراً. على أنّ التّبعيّة التي من هذا الجنس لا تنحصر آثارُها المدمّرة في ميدانِ علاقاتِ مركز/ محيط الاقتصاديّة، بل هي تمتدّ بآثارها تلك إلى ما هو أبعد من ميدان الاقتصاد ومن نطاق الإنتاج والحاجات وإشباعها: إلى مجمل مسائل السّيادة واستقلال الدّولة والقرار الوطنيّ لِما بين التّبعيّة الاقتصاديّة وهذه من شديدِ اتّصال. ليس تفصيلاً عاديّاً وعابراً أن تفقد دولةٌ قرارَها الاقتصاديّ المستقلّ وأن تعجز - تحت وطأة فاقتها - عن أن تجيب احتياجات مجتمعها الاقتصاديّة- الاجتماعيّة، إنّ ذلك إذْ يُلْجئها إلى الخارج لسدّ تلك الحاجات (تحديداً ذلك الخارج الذي هي تابعةٌ لكوْنه الاقتصاديّ منذ زمن)، يفرض عليها أن تخضع لشروطه وإملاءاته التي تُفْقدها كلّ استقلالٍ ولو رمزيّ.
لأوروبا - ابتداءً - والغرب، تالياً، مكتسباتٌ تاريخيّةٌ لا يُنْكِرها عاقلٌ نزيه. وقد حقّقتها شعوبها وأممها على امتداد حقبةٍ زمنيّة انطلقت موجاتُها الأولى في القرن الخامس عشر، واستمرّت تتعاظم وتتَّسع نطاقاً، وتزيد تراكماً طوال السّتمئة عام الأخيرة، حتّى إنّ النّموذج الاجتماعيَّ الذي ابْتَنَتْه أوروبا لنفسها - وبات نموذجَ الحياة في الغرب برمّته - أغرى شعوباً وأمماً ومجتمعاتٍ أخرى، غيرَ أوروبيّة وغير غربيّة، باحتذائه والسَّير في مجراهُ طواعيّةً، بعد أن زرعت أوروبا الكولونياليّةُ نفسُها بِذرَتَهُ في البلدان التي وَطِئتْها جيوشُها، وحَكَمَتْها إداراتُها الاستعماريّة، وأقامت فيها نواة الدّولة الحديثة. وفي هذا التّاريخ الطّويل من المكتسبات الكبرى - في أوروبا والغرب - محطّات عديدة يمكن تلخيصها في سبْع رئيسةٍ منها: * أوّلها لحظة النّهضة، وهي كنايةٌ عن حركة تجديدٍ في الرّؤية الأدبيّة والفنيّة وفي الحساسيّة الجماليّة كانت أوروبا مهدَها في القرن الخامس عشر. وإذْ مهَّدتِ النّهضةُ لثورةٍ في التّعبير الأدبيّ والفنّيّ: الموسيقيّ - السّيمفونيّ - والأوبراليّ، الرّسم والتّشكيل، انعكست ماديّاً في تطوُّر العمران وجماليّات البناء، واختطاط المدن، وازدهار المتاحف ودُور الأوبرا والمسرح، وشقِّ الطّرق وبناء الجسور والقصور والكنائس... إلخ. في هذه الحركة، كانت أوروبا تستعيد بعض الموروث اليونانيّ- الرّومانيّ، والبيزنطيّ الشّرقيّ، وتضيف إليه لِتضع لَبِنَةً أولى للمدنيّة الحديثة. * ثانيها لحظة الإصلاح الدّينيّ الذي قادته الحركة البروتستانتيّة، اللّوثريّة والكالڤينيّة، وقاد إلى تحجيم قوّة الكنيسة الكاثوليكيّة والسّلطة البابويّة المطلقة، وفَتَح الباب - بعد الحروب الدّينيّة الطّاحنة - نحو إقرار مبدأ التّسامح والحرّيّة الدّينيّة. ولقد كان لذلك الإصلاح الدّينيّ، في القرن السّادس عشر، الأثر الحاسم في التّمكين لقيام الدّولة الحديثة في القرنين الثّامن عشر والتّاسع عشر، وللوحدات القوميّة في القرن التّاسع عشر، مثلما كان مدخلاً إلى الفصل بين الدّولة والدّين، وإلى انكفاء الكنيسة عن الشّؤون العامّة إلى الشّؤون الرّوحيّة. * ثالثها لحظة الثّورة الصّناعيّة (والزّراعيّة) في بريطانيا، ابتداءً، ثمّ في مجمل أوروبا تالياً، وهي ثورة غيّرت شروط الحياة، وطوَّرتِ الإنتاجَ ووسائله، ووفّرت فرص العمل للملايين، وأنتجت شروط الانتقال الحاسم من اقتصاد الكفاف إلى اقتصاد الوفرة، ومن نظام الإنتاج الإقطاعيّ إلى نظام الإنتاج الرّأسماليّ. * رابعها محطّة الثّورة العلميّة التي شهِدت عليها ميادين الفلك والفيزياء والكيمياء والهندسة، وكانت موجتُها الكبرى في القرن الثّامن عشر. لم تكن آثار هذه الثّورة كبيرة في التّطبيقات الماديّة لنتائج العلوم في الاقتصاد والإنتاج، وفي رفد الثّورة الصّناعيّة برافدٍ جديد فحسب، بل كانت آثارها كبيرة، كذلك، في نشر النّزعة العلميّة التّجريبيّة في التّفكير، كما في تسديد ضربات موجعة للتّفكير الثّيولوجيّ، وتحرير العقل الإنسانيّ من النّظرة السّحريّة إلى العالم، وتحرير الفرد من الخوف، ومغالبة أسباب العطالة المبكّرة والموت المبكّر. * خامسها كانت فلسفة الأنوار والعهد الموسوعيّ، وهما يؤرّخان لحقبة الصّعود الظّافر للعقلانيّة والرّوح التّجريبيّة والنّقديّة في التّفكير بعد رسوخ ثقافة التّسامح والنّزعة الإنسانويّة في الفكر الأوروبيّ وانتصار قيمها في الحياة الثّقافيّة. * سادسُها حلْقةُ الثّورة السّياسيّة والدّيمقراطيّة والقوميّة، وقد تغيَّر بها وجْهُ أوروبا الكيانيّ والعمرانُ الدّاخليّ لمجتمعاتها ودُوَلها. إنّ الثّورة الإنجليزيّة وتغييرَ نظام الملكيّة المطلقة في إنجلترا، والدّستورَ الأمريكيّ، والثّورةَ الفرنسيّة، والوحدة القوميّة في إنجلترا، والولايات المتّحدة، وفرنسا، وصولاً إلى الوحدتين الألمانيّة والإيطاليّة...، أخرجت أوروبا من عهود الاستبداد الملكيّ المطلق، ومن عهود التّجزئة الكيانيّة في عشرات الدّويلات والإمارات المتنازعة، لتقيم دولاً قوميّة كبيرةً قابلة للحياة وقادرة. * سابعها - بُنيَ على مكتسباتِ سوابقه- فهو حدثُ الثّورة التِّقانيّة (التّكنولوجيّة) في القرن العشرين، التي أصابت ميادينَ الحياة كافّة، وغيّرت من صورة المكان والزّمان ومفهوميهما في الوعي، ووفّرت من إمكانيّات التّواصل ما اخْتَصَر على البشريّة الكثير. نَحْسَب، من جهتنا، أنّ الحداثة موجةٌ كبرى في التّاريخ تقع تحت سقف النّقد لا فوقه. ولكنّ نقدها ينبغي ألا يكون تُكَأَة لرفضها ورفض مكتسباتها، مثلما ينبغي - في الوقتِ عينِه - إخضاعُ ما بعد الحداثة لنقضٍ نظيرٍ نتميَّز فيه حاجاتنا إلى هذه وتلك.
تُعلّمنا كتبُ الفكر الفلسفيّ والسّياسيّ الحديث سُبُل إدراك مكانة الحرية في تكوين الفرد والنّظام الاجتماعيّ الحديث، مثلما تُرشدنا إلى الوقوف بالأدلّة على لابدّيّتها في
تَغذّى معتقدُ القوّة، في الوعي الغربيّ، من مواردَ عديدة قدّمتْها نتائجُ علمٍ حديث بَدَتْ، في الجملة، أغنى - حتّى لا نقول أفعل - من تلك التي قدّمتها الفلسفة أو التي قدّمها
عبد الإله بلقزيز يتناقص معدّلُ القدرة على مراجعة الذّات والفحصِ عن الخاطئ من يقينيّاتها والجامدِ، وعن المُتَلَقَّى من أفعالها بالرّفض أو الإنكار أو الاستهجان... كلّما
عبد الإله بلقزيز يأخذ التّسلّط الاجتماعيّ في مجتمعات اليوم، شرقاً وغرباً، صوراً وأنماطاً متعدّدة لمصادرة حقوق أقسام من المجتمع متعدّدة تفيض عن مجرّد الاستحواذ على قيمة
عبد الإله بلقزيز تبدو صورة العلاقات الدّوليّة، على صعيدها الظّاهريّ السّطحيّ، صورةَ نظامٍ مفتوح من التّفاعلات الإيجابيّة بين دُوَل يحْكُم علاقاتها قانون وأعرافٌ مَرعيّة،
عبد الإله بلقزيز تُواجِه كل حديث أو نظر في مسألة نقْد الذات ومثالبِها، وتصويب عثْرتها بالتقويم اللازم، حالتان سلبيتان نقيضتان: رفض مبدأ النّقد الذّاتيّ، جملة، والنّظر إلى