أن تكون الحداثةُ أوروبيّةَ المنشأ فهذا معطى تاريخيٌّ موضوعيٌّ يتّصل بمستوى التطوّر والتّراكم الذي شهدت عليه هذه القارة بين القرنين السّادس عشر والتّاسع عشر، الذي فاقَ نظائرَه في أمكنة أخرى من العالم. غير أنّ الحداثة ما لبثت أن باتت ظاهرةً كونيّة جاوزَتِ الجغرافيا المحدودة لِمَواطنها إلى العالم الأرحب.
كان ذلك في سياق خروج أوروبا نفسِها من حدودها الجغرافيّة، وفيضِها على العالم في حقبتها الكولونياليّة، حيث حملت معها - في جملة ما حملت - مكتسباتها الجديدةَ، جنباً إلى جنب مع عساكرها وجوعِها الشّديد إلى النّهب والاستحواذ. هكذا بَدَتِ الحداثةُ، عند الشّعوب والأمم غير الأوروبيّة، أشبهَ ما تكونُ بـ «غنيمة حرب» يُمثّل غُنْمُها تعويضاً عمّا فقدته الشّعوبُ والأمم تلك من أرواحٍ وسيادات ومقدَّرات: حين وقعت تحت سنابك خيل الغزاة القادمين من الشّمال.
ولكنّ خروج الحداثة من الحيّز الأوروبيّ إلى النّطاق الكونيّ لم يكن محض انتقالٍ في المكان أو توسعةٍ للنّطاق الخاصّ، وإنّما هو أتى يعيد تعريفَ الحداثة من جديد بما هي حركةٌ إنسانيّة، بما أضفى عليها ذلك التّوسُّع من خبْرات تاريخيّة جديدة خاصّةٍ بثقافات الأمم غير الأوروبيّة وحضاراتها و- بالتّالي- أتى يُقدّم مساهمتَه في تحرير الحداثة من نزعة المركزيّة الأوروبيّة، وفي إطلاق مسارها نحو الصّيرورةِ حقيقةً كونيّةً.
إذْ قلنا إنّ الحداثةَ كونيّةٌ، فإنّما قَصَدْنا بذلك إلى القول إنّها وَسِعَت في المعنى تجاربَ ونماذجَ مجتمعات عديدة، في عالم اليوم، خاضتِ المعركةَ من أجل حيازة الأسباب التي صنعت حداثةَ أوروبا، ولكن من دون احتذائها حذوَ النّعل بالنّعل، واستنساخِها وكأنّها في حكم قوانين الطّبيعة عامَّةِ الانطباق على موجودات الطّبيعة كافّة. نحن في التّاريخ، والحداثةُ تجري وتَتَخَلَّق في التّاريخ وتتنشّأ، حيث المجتمعاتُ والأممُ والثّقافاتُ والخبْراتُ تتعدّد وتتنوَّع وتتخالف ولا تقبل الاستنساخ من بعضها.
حين نصل بمفهوم الحداثة إلى هذه العتبة من التّعريف، يمكن - حينها - أن نستدرك عليه بالقول إنّ الحداثةَ، في نصابها الاعتباريّ وفي حقيقتها التّاريخيّة الرّاهنة، حداثات، أي متعدّدةُ الأشكال والنّماذج بمقدار تَعدُّد المسارات المقطوعةِ أشواطُها لبلوغها وتوطين قيَمِها في المجتمع والدّولة والوعي. القرائن على ذلك لا حصر لها في عالمنا المعاصر من اليابان، إلى الصّين، إلى كوريا، إلى الهند، إلى البرازيل، إلى روسيا، وإلى ماليزيا...إلخ.
ليس من بلدٍ، من هذه البلدان التي ذكرنا ومِن سواها ممّا لم نذكر، بَنَى حداثتَهُ على مثالٍ سبق، أو استنسخ المثال الأوروبي والأمريكيّ الشّمالي وحَذَا في التّطوُّر حذوه. وليس من بلدٍ فيها ألغى ثقافته ولغتَه القوميّة وتعرّى من خصوصيّاته ليكسوَ عُرْيه بثقافة الأجانب ولغاتهم. جميعُهم أقام الدّولة الوطنيّة الحديثة، القويّة المقتدرة، والاقتصاد العقلانيّ العصريّ، وأنتج العلم والتّكنولوجيا، وأقام التّنميّة الثّقافيّة والعلميّة بلسان قومه، ومنهم مَن أحْيا لغات وهي رميم، واستثمر كنوز تراثه وتاريخه في تعظيم التّنمية الاقتصاديّة. وبكلمة، جميعُهم بنى حداثتَهُ من دون استنساخٍ لنموذجٍ جاهز أو انحلالٍ في الآخر.
الحديث عن الحداثة جمعاً، لا مُفْرداً، أو تعريفُها بما هي حداثات ليس فذلكةً يرادُ بها إقحامُ خِبْرات أخرى من العالم، غيرِ أوروبيّة أو أمريكيّة، في عالم حداثةٍ يُنْظَر إليها خطأً، بأنّها إبداعٌ غربيٌّ حصريّ، إنّه، بالأحرى، اعترافٌ بمبدأ التّعدُّد والاختلاف داخل منظومة الحداثة، وهو مبدأ تتأبّى المركزيّةُ الغربيّة المنغلقة التّسليمَ به أو الاعتراف، لأنّ من شأن ذينك التّسليمِ والاعتراف إحداثَ زحزحةٍ في موقفيْ التّمركُز والمعياريّة اللّذين يتمسّك بهما الغربُ، المهجوس بالتّفوّق وبالتّالي، خَلْعَ النّسبيّة على معاييره ونماذجه.
أفصح ذلك الرّفض القاطع للاعتراف بوجود حداثةٍ أخرى، خارج المركز الغربيّ (الأوروبيّ- الأمريكيّ) عن نفسه، مثلاً، بمناسبة انبعاث اليابان من حريقها، بعد الحرب العالميّة الثّانيّة، وصيرورتها قوّةً اقتصاديّة وتكنولوجيّة وعلميّة ثانية في العالم، منذ منتصف القرن العشرين الماضي وحتّى نهاية القرنِ عينِه.
نبَّه الانبعاث ذاك إلى أنّ هذه القوّة التي تنتهض انتهاضةً غيرَ مسبوقة، وتقتحم عالم الحداثة من أوسع بوّاباته، ليست أوروبيّةً ولا أمريكيّة، وإنّما من عالم آسيا هي. ولأوّل مرَّةٍ سيضطرّ الخطاب الغربيّ لإعادة تصنيع مفهوم الغرب بتَوْسِعَتِه بحيث يُجاوز حدود الجغرافيا ليغدُوَ مفهوماً «حضاريّاً».
[email protected]
ما من شيءٍ في سيرة العلاقات بين الأمم والشّعوب والدّول، في النّظام الدّوليّ القائم، يدلّ على أنّها علاقات تنتظم في نسقٍ جامعٍ يَخْلع عليها طابعاً كونيّاً أو هي تنزع، على الأقلّ، إلى أن تصير كونيّة. الثّابتُ اليوم، وبقوّة أحكام الواقع، أنّها أبعد ما تكون عن الكونيّة بمعناها الفلسفيّ والإنسانيّ حتّى لا نقول إنّها على الطّرف النّقيض منها، الأمرُ الذي يستفاد منه أنّ القول بمزعمة الكونيّة هذه مصروف في مقامٍ أوّل، لأداء خدمة إيديولوجيّة تضليليّة في السّياسات الدّوليّة.
نعم، ظلّت فكرة كونيّة الوجود الإنسانيّ وفي جملتها فكرة القيم والقوانين تخامر البشريّة ومفكّريها منذ زمن، وظلّت تُلْهم أفكاراً كبرى وإيديولوجيّات سياسيّة وتيّارات ثقافيّة وتهذِّب رؤية المجتمعات والثّقافات إلى بعضها، غير أنّ تجارب التّاريخ المعاصر، بما فيها تجربة تكوين نظام دوليّ مؤسّسيّ، أثبتت أنّ بلوغ هذه الكونيّة أمرٌ عسيرُ المنال حتّى لا نقول إنّه مستحيلُ الإمكان. ولقد كان هذا يكفي لأن ينقُل الفكرةَ الكونيّة من الواقع إلى الطّوبى فإلى الوهم: حيث يتولّد الشّرطُ المناسب لتسخيرها في العلاقات السّياسيّة الدّوليّة.
أمّا أنّ الكونيّةَ وهْمٌ، فليس لأنّها مستحيلةُ الإمكان فقط، وإنّما لأنّ ماجريات العلاقات الدّوليّة تميط اللّثام عن حقيقة الفجوة السّحيقة التي تفصل بين الأمم والشّعوب والدّول على صعيد فرص التّنمية والسّلام والرّخاء والاستقرار، على نحوٍ لا يبقى معه مكانٌ لأيّ كلامٍ على كونيّةٍ مزعومة، إذِ المعلوم أنّ التّكافؤ في الفرص بين الأمم شرطٌ لازِب لكلّ كونيّة: وهو غائبٌ، تماماً، في ميدان العلاقات الدّوليّة القائمة على الغَلبة وتفاوُت الحقوق، شأنُها في ذلك شأن العلاقات داخل كلّ اجتماعٍ سياسيّ حاضراً وقبْلاً.
بهذا الاعتبار، لا تعدو الكونيّة أن تكون شعاراً للاستهلاك السّياسيّ ومادّةً للتّسخير الإيديولوجيّ من قِبل القوى الكبرى الماسكة بأزِمّة النّظام الدّوليّ، وهي هكذا هي، اليوم، ستار يخفي خلفه أغراضاً سياسيّة لا علاقة لها بما تعنيه الكونيّةُ من معانٍ. هكذا يسعنا أن نعرِّف الكونيّة، في خطابها الإيديولوجيّ الذي يدّعيها، بوصفها اسماً مستعاراً للسّيطرة والهيمنة وفرْض إرادةِ الأقوى ومعاييرِه على العالم وتقديمِها، من غير خجلٍ، بما هي أدواتٌ من عُدّةِ بناء الكونيّة!
لقد كانت إرادةُ السّيطرة واحتكارِ القوّة والنّفوذ سمةً رئيسية لنظام العلاقات الدّوليّة منذ نشأ النّظام الرّأسماليّ وزَحَف على العالم مستصحباً معه الاستعمارَ والغزو العسكريّ ونهب المستعمَرات. غير أنّ معدّل تلك الإرادة ومقاديرَها من القوّة والفتْك تَضاعَف أضعافاً في العقود الأخيرة منذ شرعتِ العلاقاتُ الدّوليّة في التّعولُم، ومنذ نجحت قوى العولمة في «توحيد» العالم قسريّاً تحت سلطانها السّياسيّ والاقتصاديّ.
ولقد تراءتِ الفرصةُ مناسِبةً لقوى الهيمنة في العالم للتّرويج الإيديولوجيّ والإعلاميّ لوهم الكونيّة من طريق الإيحاء بأنّ العولمة سبيلٌ إلى الكونيّة، ووسيلةٌ من أفعل وسائل التّمكين لها. ونحن نعلم، على القطع، أنّ الهيمنة التي تمتطي صهوة الكونيّة، تقود، موضوعيّاً، إلى الإلحاق والابتلاع وتبديد الاستقلال والشّخصيّة الذّاتيّة السّيّدة للدّول والأمم وليس إلى توحيد العالم وكوننتِه كما تدّعي زوراً.
على أنّ إرادة الهيمنة، المسلَّطة على العالم من وراء قناع الكونيّة، لم تكن لتُحْرِز، دائماً، النّجاحات التي تتوقّعها منها قُواها الكبرى في النّظام الدّوليّ، بل كثيراً ما وُوجِهت بمقاوماتٍ سياسيّة واقتصاديّة متفاوتةِ الحجمِ والأثرِ من دول العالم وشعوبه. ولقد كان من وسائل المقاومة وسُبُلها أنّ دولاً من الجنوب خاضت غمار الصّراع داخل العولمة وعلى العولمة في آن، على مثال ما فعلتِ الصّين والهند والبرازيل وسواها، فغيّرت من توازُن القوى الاقتصاديّة والعلميّة والتّقانيّة في النّظام الدّوليّ.
والمفارقةُ الأكبر أنّ القوّة التي كانت تقود الهيمنة، بأدوات العولمة وباسم الكونيّة، أعني الولايات المتّحدة، سرعان ما أرهقتها المنافسةُ مع القوى الكبرى الصّاعدة التي أطلقت تلك المقاومات في وجهها، فأُكرِهَتْ على الخروج التّدريجيّ منها من طريق الانكفاء إلى داخلها القوميّ الأمريكيّ بعد الانسحاب من كثيرٍ من مؤسّسات العولمة واتّفاقيّاتها، بل حتّى من مؤسّسات النّظام الدّوليّ.
abdilkeziz29gmailo.com
سيكون من قبيل تحصيل الحاصل أن يقال إنّ العنصريّة ظاهرةٌ سياسيّة لدى المجتمعات السّياسيّة في عهودها كافّة، بمقدار ما كانت ظاهرة اجتماعيّة تغلغلت في نسيج النّظام الاجتماعيّ في كلّ الاجتماع الإنسانيّ. هذا قولٌ أشبهُ ما يكون بالتّقرير: تقريرُ الحال، إذ تقوم عليه الشّواهدُ من الواقع المباشر ومن تاريخ الاجتماع الإنسانيّ المكتوب والمَحكيّ المتَناقَل بالتّوارُث، وتؤكّده الأخبارُ عن حوادث الصّدام بين الجماعات الاجتماعيّة المتبادِلة لمشاعر الإنكار داخل المجتمع الواحد، وحوادث المواجهات بين المجتمعات والدّول.
يزيد من سياسيّات العنصريّة اليوم أنّها دخلت في نسيج المساجلات السّياسيّة الحزبيّة والحملات الانتخابيّة والتّعبئة والتّحشيد، باسم الهويّات و«النّقاء» العرقيّ، في أرجاء العالم قاطبةً، مع ما يقترن بذلك من شيطنة الآخر واستنفار الغرائز العنصريّة.
مع إمكان التّسليم بالطّبيعة السّياسيّة لظاهرة العنصريّة واستخداماتها في حقل الصّراعات السّياسيّة، يظلّ جائزاً أن يُتَساءَل عمّا إذا كانت، فعلاً، ظاهرةً سياسيّة في «الطّبيعة» والمنشأ أم هي ظاهرةٌ ثقافيّة في الأساس. السّؤالُ مشروعٌ من وجوهٍ عديدة يكفينا منها وجْهٌ واحد رئيسٌ ومتكرّرٌ على الدّوام: الظّواهرُ السّياسيّة تبدأ من نقطةِ بدايةٍ ثقافيّة، دائماً، لأنّ مَنشأها ثقافيّ، ثمّ لا تلبث أن تلبس لبوسها السّياسيّ حتّى لَيكاد أن يختفيَ معه كلُّ مضمونٍ ثقافيّ لها. وراء كلّ ظاهرةٍ سياسيّة (سلطة، حزب، مشروع سياسيّ، حرب...) فكرةٌ مؤسِّسة - موعى بها أو غيرَ موعى - تنمو في حضنٍ ثقافيّة...، والعنصريّةُ من هذا الجنس.
السّياسي في العنصريّة، إذن، هو ما يجعل فكرتَها ذاتَ خطر، وذاتَ أنيابٍ ومخالبَ. وإذا كان هذا السّياسيُّ ثابتاً فيها، بل مبدأً لقوّتها التّدميريّة، فهل ثمّة من علاجٍ سياسيّ لها، أو هل مثلُ هذا العلاج لها - إذا ما أمكنَ أمرُه - ناجعٌ أو يكفي وحده لاستئصالها أو حتّى للحدّ من آثارها التّدميريّة في أقلّ القليل؟
ما من شكٍّ، في أنّ للسّياسة (السّياسات) ما تقدّمه في هذا المسعى إلى جبْه العنصريّة ومغالبة أدوارها التّخريبيّة: إنْ كان ذلك داخل المجتمعات الوطنيّة، كلاًّ منها على حدة، أو داخل ما يسمَّى «المجتمع الدّوليّ». قد تتوسّل الدّولة سلاح القانون، مثلاً، بل في أفضل الأحوال، لمحاربة هذه الجرثومة الخطِرة التي تنخر جسم المجتمع بمقدار ما يستطيع النّظام الدّوليّ ذلك على صعيدٍ عالميّ أشمل.
وعليه، فإنّ من شأن إقرارِ منظومةٍ من القوانين التي تعاقب على إتيان العنصريّة قوْلاً أو فعلاً أن تردعها بوصفها انتهاكاً صارخاً للكرامة الإنسانيّة، وهذا ممّا يجري به العملُ في دولٍ كثيرة كما في النّظام الدّوليّ: وإنْ بقدْرٍ من الانتقائيّة وازدواجيّة المعايير في قسمٍ من الحالات. لذلك لا مهرب من البحث عن معالجاتٍ ثقافيّة عميقة للظّاهرة يبرّرها أنّ العنصريّة من حيث منشؤُها - كما مرّ معنا - ظاهرةٌ ثقافيّة شهِد عليها الاجتماعُ الإنسانيّ قبل أن تستحيل معضلةً سياسيّة تؤزِّم العلاقات داخل المجتمعات والبلدان وفي ما بينها.
يبدأ الاستئصال الثّقافيّ للعنصريّة من مدخلٍ تحتيّ هو التّربيّةُ على قيمة احترام الكرامة الإنسانيّة، والامتناعُ عن نَهْكِها أو الخدش فيها باسم أيّ مبدأ آخر قد يبرّر ذلك، وحسبانُ أيّ دَوْسٍ على تلك الكرامة عدواناً على الإنسانيّة وقيمها. الإنسانُ، في منظور هذا النّوع من التّربيّة، كائنٌ ذو حُرمةٍ ومكانةٍ في الوجود، وهو يعلو شروطَه التي يرتبط بها لأنّ الإنسانيَّ فيه يفيض عن كلِّ تعيُّنٍ نسبيّ.
الإنسان إنسانٌ بمعزلٍ عن «عِرقِه» ودينه ولونه وثقافته، وهو جوهَرٌ لا يتحدّد بهذه الأعراض (بلغة أرسطو) ولا تُغيِّر منه هذه شيئاً، لذلك احترامُه معدودٌ في جملة احترام الجوهر الإنسانيّ. أمّا التّربيّة على احترام كرامة الإنسان فأعلى مقاماً وقَدْراً من مجرّد التّربيّة على قيمٍ أخرى مثل التّسامح أو الحقّ في الاختلاف وما شاكل ذلك.
يتعلّق الأمرُ في هذا، إذن، بالحاجة إلى ثورة ثقافيّة شاملة ضدّ العنصريّة، ثورة تسخَّر من أجلها كلّ الأدوات والموارد المتاحة: التّربيّة الأُسْريّة، التّكوين المدرسيّ وبرامجه، البرامج الثّقافيّة والإعلاميّة: الرّسميّة والخاصّة... فضلاً عن التّجريم القانونيّ الذي ما من فائدةٍ تكون له إنْ لم يقع إنجازُ حلْقات التّثقيف والتّربيّة المشار إليها.
ليس من جدالٍ في أنّ الصّين وروسيا الاتّحاديّة دولتان تُحسَبان في خانة القوى الكبرى في العالم، مثلهما في ذلك مثل الولايات المتّحدة وأوروبا (مجتمعةً في دائرة «الاتّحاد الأوروبيّ»)، وأنّ قوّتهما ليست تُعْزَى، فقط، إلى العضويّة الدّائمة التي تتمتّعان بها في مجلس الأمن الدّوليّ بل يفسّرها ما تحتازُهُ كلٌّ منهما من موارد القوّة في العالم وما تحتلاّنِهِ، نتيجة ذلك، من مركزٍ مرموق في توازنات القوّة الاقتصاديّة والعلميّة والتّكنولوجيّة والعسكريّة والسّياسيّة.
ومع أنّ الدّولتين ما عادتا رمزيْن لنظامٍ آخر نقيضٍ (النّظام الاشتراكيّ) يهدّد النّظام الرّأسماليّ، ولا هُما ترتبطان بعلاقةِ اندماجٍ في منظومةٍ عسكريّة وأمنيّة واحدة - نظير المنظومة الغربيّة التي تمثّلها «منظّمة حلف شمال الأطلسيّ»- بحيث تصبح مصدر تهديدٍ استراتيجيّ لمعسكر دول الغرب الأطلسيّ، إلاّ أنّ الأخيرةَ ما توقّفت عن النّظر إليهما بما هما عدوّان استراتيجيّان يفرضان عليها مواجهتها باستراتيجيّةٍ دفاعيّة تحاصر نفوذَهما في العالم من طريق محاصرتهما في حيّزيْهما الإقليميّين.
بيُسرٍ شديد، يستطيع من يتابع السّياسة الدّوليّة اليوم -بل منذ مطلع هذه الألفيّة الجديدة - أن يلْحظ إلى أيّ حدٍّ وصل الانشغالُ الغربيّ بسياسات روسيا والصّين حدّةً حتّى إنّه ليكاد أن يتحوّل إلى هُجاسٍ سياسيّ في الأعوام الأخيرة، خاصّةً في الولايات المتّحدة. بل يَسَع المتابع ذاك أن يلحظ أنّ الهُجاس هذا يوشك، اليوم، أن يؤْذِن بفشل سياسات الاحتواء التي نهجتها دول الغرب -وراء أمريكا- حيال كلٍّ من الدّولتين، خاصّة تلك السّياسات النّاجحة، نسبيّاً، التي نهجتها الولايات المتّحدة خلال الولايتين الرّئاسيّتين لبارك أوباما.
أمّا إن قال قائل إنّ ارتفاع معدّل المَخافة السّياسيّة الغربيّة من الدّولتين اقترن بأضخم حدثين في العالم وَقَعا، بعد انهيار الاتّحاد السّوڤييتيّ، وهما اندلاع الحرب التّجاريّة بين الصّين والولايات المتّحدة واندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وهو قولٌ صحيح، فإنّ الحدثين هذين ما كان لهما أن يحدُثا ولا -إنْ حَصَل وحَدَثا- أن يكون لهما كلّ هذا الكمّ الهائل من التّبعات الهائلة، التي ما زلنا نعانيها في يوميّات العلاقات الدّوليّة، لو أنّ سياسة الاحتواء تلك أصابت حظّاً من النّجاح في امتصاص مشكلات العلاقة بين معسكر الغرب والدّولتين.
يختلف وزنُ كلٍّ من الدّولتيْن في ميزان القوّة العالميّ. روسيا قوّةٌ عسكريّة ضاربة يخشاها النّظام الأطلسيّ ويحسب لها ألف حساب، ثمّ هي، إلى ذلك، قوّةٌ سياسيّة ذاتُ نفوذٍ عالميّ ورثت جزءاً منه عن حقبتها السّوڤييتيّة، وابتنت لها جزءاً ثانياً خلال العقود الثّلاثة الأخيرة وتحديداً في عهدها البوتينيّ. أمّا الصّين فقوّةٌ اقتصاديّة وصناعيّة وعلميّة وتكنولوجيّة في المقام الأوّل، لكنّها -من غير شكّ- قوّةٌ عسكريّة يُخشى جانبُها شيئاً فشيئاً من غير أن تضارِع قوّة روسيا المجرّبة.
الفارق بين الدّولتين الكبيرتين واضحٌ، إذن، على صعيد ما تحْتازه كلٌّ منهما من مواردَ استراتيجيّة، وعلى صعيد الميدان الذي تَقْوى فيه هذه وتلك منهما على منافسة الغرب والولايات المتّحدة فيه. أمّا ما تشتركان فيه في تينك القوّة والقدرة على المنافسة فهو ذلك الموقع الثّانيّ الذي يحتلّه كلاهما في مراتبيّة القوّة على الصّعيد العالميّ، عسكريّاً في حالة روسيا واقتصاديّاً في حالة الصّين.
مع ذلك، مع هذه المكانة المميَّزة التي تحتازها الدّولتان في العالم، ليس من انعكاسٍ، أو من تَجَلٍّ، لتلك المكانة نلحظُه على صعيد الأدوار السّياسيّة في النّظام الدّوليّ. لا يُقاس نفوذ روسيا السّياسيّ اليوم بنفوذ الاتّحاد السّوڤييتيّ أمس. أمّا الصّين فما شغلها عن هدفها شاغلُ النّفوذ السّياسيّ منذ بداية حقبة ما بعد الماويّة فيها، في النّصف الثّانيّ من سبعينيّات القرن العشرين، بل طفِقت تعمل -بنشاطٍ متسارع- على تنمية قواها الاقتصاديّة بحسبانها، في نظرها، أولويّةً استراتيجيّة لبناء نفوذٍ دوليّ لا يضارعها في الأهميّة والجدوى أيُّ هدفٍ وأيّ أولويّة أخرى.
أيّاً كانت الأسباب التي حجّمت أدوار روسيا والصّين السّياسيّة فإنّ التّنكّب عنها سيعزِّز الفراغ السّياسيّ الدّوليّ الذي لن يجد من يملؤه سوى الولايات المتّحدة، وهذا صحيح، ولكن مرحليّاً فحسب، ذلك أنّ الوفاء بأداء هذا الدّور الكبير في العالم (دور الأوحديّة والاحتكار السّياسيّين) سيرتّب على صاحبه أعباءً وتكاليفَ ماديّة وعسكريّة لا حصر لها، أليس ذلك ما يحصل للولايات المتّحدة اليوم؟
[email protected]
قبل أن تضع السّابقةُ النّازيّةُ في ألمانيا النّظامَ الدّيمقراطيّ، وقد خرجتْ من رحمه ومن رحم صناديقه، موضعَ سؤالٍ وشكٍّ ومراجعة، كان الفكرُ السّياسيّ اللّيبراليُّ نفسُه (الفلسفة السّياسيّة خاصّةً) قد نبَّه على ما يعتور النّظام الدّيمقراطيّ من معايبَ ومَواطن عطبٍ تكشف عن حدوده، وعن الفجوة التي تفصل واقعَه المادّيّ عن نموذجه الذّهنيّ. ما كان التّنبيهُ على تلك المغبّة استباقيّاً: مُساقاً في شكل استشرافٍ نظريّ نقديّ يقرَع به فلاسفةُ السّياسة أجراسَ إنذارٍ قصد ترشيد نظامٍ قالوا به، وبَشّر به أسلافٌ قبلهم، وإنّما هو أتى يقرأ في حصيلةِ نظامٍ شُرِعَ في تطبيقه منذ قريبٍ من قرنين، مثلما أتى يواكبه بالتّحليل النّقديّ الصّارم. ولقد شهِدنا على ذلك التّدخّل الفلسفيّ النّقديّ المُراجِع لبداهات النّظام الدّيمقراطيّ منذ ما يقارب المئة عام التي سبقت قيامَ النّازيّة وانهيارَها وانقضاضَها، بالتّالي، على ذلك النّظام وإطفاءَها بريقَه.
ما كان مدشِّنو ذلك النّقد الفلسفيّ السّياسيّ للدّيمقراطيّة وللدّولة الوطنيّة، التي نشأت في أكنافها، ماركسيّين حتّى يبلوروا مقالةً نقديّة في تلك الدّيمقراطيّة، ولا هُم ردّدوا مواقف ماركس منها ونسفوها بأدواته المفهوميّة، فلقد أتت نتائجُ الثّورات الكبرى (الإنجليزيّة، الأمريكيّة، الفرنسيّة) تميط اللّثام عن طائفةٍ لا عَدَّ لها ولا حصر من التّناقضات والنّقائض والمفارقات التي أغرت بالاستفهام، وحَمَلَت حتّى اللّيبراليّين أنفسهم على بناء موقفٍ نقديّ مما يقع لهذا النّظام الدّيمقراطيّ وباسمه. من ذا الذي يجادل في أنّ مفكِّراً مثل أليكسي دو توكڤيل واحدٌ من أبناء الثّورة الفرنسيّة ومن منتوجاتها الثّقافيّة، وأنّ جون ستيوارت مِل، ابن الثّورتين الإنجليزيّتين الأولى والثّانيّة، الذي لم يتخلّ عن اللّيبراليّة فلسفةً وخياراً سياسيّاً حتّى في عزّ نقده النّظامَ الدّيمقراطيّ؟ مع ذلك، لم يمنعهما نَسبُهما إلى تلك الثّورات من نقد النّتائج السّياسيّة التي تولّدت منهما ومن النّظام السّياسيّ الذي أنجبتْه.
كم كان دالّاً أن يَحمل النّصفُ الأوّل من القرن التّاسع عشر معه كمّاً هائلاً من النّصوص امتلأت أوصافاً وأحكاماً شديدةَ السّلبيّةِ في حقّ النّظام السّياسيّ الدّيمقراطيّ في المركزيْن الأوروبيّين الرّئيسين (فرنسا وبريطانيا)، ومن قِبل فلاسفةٍ ليبراليّين، ومن، مثلاً، وصفُ توكڤيل النّظام البرجوازيّ المنبَثق من الثّورة الفرنسيّة بأنّه نظامُ «الاستبداد الدّيمقراطيّ» ومن بعده وصفُ جون ستيوارت مِل النّظام التّمثيليّ الدّيمقراطيّ بما هو النّظام القائم على قاعدة «طغيان الغالبيّة»، فلقد تَعَاوَرَ الوصْفان/النّقدان على القول إنّ النّظام هذا لا يحمي الحقوق والحرّيّات، كما يدّعي منظّروهُ والمدافعون عنه، بل يئِدها أو يأتي عليها بأفعال الانتهاك. منذ ذلك الحين وحتّى قيام النّظام النّازيّ، تواترتِ الشّواهد على تزايُد حالات الاستنقاص الفكريّ للنّظام الدّيمقراطيّ ونقْدِ معايِبِه وبيانِ ما تُضْمِرُهُ تجاربُه المتحقّقة من تجافٍ مع النّماذج النّظريّة التي رسمها الفلاسفةُ له منذ نهايات القرن السّابع عشر.
على أنّ موْجات النّقد الفكريّ والسّياسيّ التي تَعَرّض لها النّظام الدّيمقراطيّ، منذ قريبٍ من قرنين، لم تغيِّر في شيءٍ من واقع تماسُكه واستمرارِ قدرته على التّكيّف مع أزْماته وتناقضاته واحتواء الكثير منها وإعادة تجديد نفسه. نعم، ما من شكٍّ في أنّ الشّكوك خامرت كثيرين من نقاده في مدى ملاءمتِه لمواجهة تحدّيّات كبرى جديدة ناشئة في العالم المعاصر (العولمة مثلاً) تهدّده وتهدِّد معه الدّولة الوطنيّة بالزّوال، أو في مدى مناعته في مواجهة خطر صعود اليمين الفاشيّ، رديف النّازيّة، واستيلائه «الدّيمقراطيّ» على السّلطة في قسمٍ كبير من دول أوروبا...، غير أنّ ذلك كلَّه، وعلى وجاهَته، مَا نَجح في أن ينفيَ عن هذا النّظام قابليّته الدّائمة للتّأقلم مع المتغيّرات ومدافَعَة آثارها السّلبيّة وكَفِّها عنه.
إنّ مكمَن قوّته، وهو سرّ بقائه بالتّالي، في أنّه بقِيَ يَقْوى، بأدواته الخاصّة، على تصحيح نفسه بنفسه وعلى إدارة أزْماته الدّاخليّة بنجاحٍ وعلى نحوٍ غيرِ انفجاريّ. كأنّه في هذا النّجاح والتّجدُّد يوشك أن يكون رديفاً للنّظام الرّأسماليّ في طريقته المعهودة في مغالبة التّحدّيّات الخارجيّة له، والتّناقضات الدّاخليّة المعتمِلة فيه، وفي امتصاص أزْماته وإعادة إنتاج نفسه في أصعب ظروفه.
[email protected]
كانت بلاد الخليج العربيّ، منذ مائة عامٍ، وما برحت حتّى اليوم مَطْمعاً للقوى العظمى في العالم، كما للقوى الإقليميّة الي وجدت في غياب المشروع العربيّ الجامع الفراغَ المنشود قصد الاعتياشِ منه وملئه. ثْواتُ المنطقة، خاصّةً مصادر الطّاقة، والموقعُ الجيوستراتيجيّ المميَّز عى امتداد واحدٍ من أهمّ الممرّات المائيّة التي تشهد على نسبةٍ عالية من حركة الملاحة التّجاريّة الدّوليّة، ثمّ الفرص الكبيرة التي تسمح بها اقتصاداتُ بلدان الخليج، بل والسّياسات الاقتصاديّة المتَّبعة فيها، أمام الاستثمارات الأجنبيّة قصد تعظيم الأرباح، ناهيك عن التّقدّم الهائل المتحقّق في مشاريع البنى التّحتيّة الارتكازيّة، الضّروريّة لكلّ نهوضٍ اقتصاديّ.. (جميعُها) عوامل تفسّر ذلك الطّلب المتزايد على المصالح في منطقة الخليج العربيّ من قِبل القوى المشار إليها، بمقدار ما تفسّر حالة الازدهار في النّموّ التي تشهد عليها بلدانُها في العقود الأخيرة.
من الطّبيعيّ أن يتكاثر الطّامعون، وأن تتنوّع صورُ أطماعهم متدرِّجةً من الابتزاز السّياسيّ والاقتصاديّ إلى العدوان العسكريّ. لذلك ما كان غريباً أن تشهد منطقة الخليج على ثلاث حروبٍ كبرى على ساحتها منذ ما يقلّ قليلاً عن نصف قرن، وأن يصيبها من الموت ودمار العمران ما أصابها منهما.
لذلك، أيضاً، كان من الطّبيعيّ أن يكون أمنُ الخليج في قلب هواجس بلدان الخليج العربيّة، ليس من باب حماية نفسها من المخاطر الخارجيّة والعدوان عليها فقط، بل لأنّ الأمن سلعةٌ استراتيجيّة حيويّة لا إمكانَ لأن يعيش اقتصاد وينمو ويزدهر، ولا أن تتدفّق استثماراتٌ من الخارج والدّاخل من دون استتبابه.
ولقد كان منطقُ المصالح نفسُه يقضي بأن يكون أمن الخليج في القلب من سياسات كلّ الدّول التي لديها مصالح في منطقة الخليج وشراكاتٌ اقتصاديّة مع دولها ومؤسّساتها، لكنّ ذلك إذا كان يَصِحّ نظريّاً، فهو ما لم يستقم له أمرٌ على الصّعيد العملي، حيث عانى ذلك الأمن الكثير الكثير من القوى الإقليميّة والدّوليّة التي كان يُفتَرض فيها مساعدة دول الخليج على حِفْظ أمنٍ يستفيد منه الجميع.
قادت تجاربُ بلدان الخليج مع مسألة أمنها الإقليميّ دولَها إلى مبادرةٍ جماعيّة قضت بتأسيس قيادة عسكريّة موحّدة عُرفت باسم «درع الجزيرة». كان ذلك قبل نيّفٍ وأربعين عاماً حين امتحنتِ الحربُ العراقيّةُ- الإيرانيّةُ أمنَ الخليج، بل هدّدتْه في الصّميم، وخاصّةً حينما باتتِ الملاحةُ التّجاريّة في مياه الخليج محفوفةً بخطر التّوقّف الكامل بعد تلغيمها. ثمّ ما لبثت فكرةُ أمن الخليج أن أخذت بعداً أوسعَ مدى حين وضعت الحربُ العراقيّةُ- الإيرانيّة أوزارها وحصل اجتياحُ الجيش العراقيّ للكويت (1990) واندلاع حرب «عاصفة الصّحراء» ضدّ العراق (1991).
إنّ نظام الأمن الذّاتيّ الخليجيّ، الذي مثّلتْه صيغةُ «درع الجزيرة»، لم يثبت مشروعيّته والحاجةَ إليه فقط، بل أثبت فاعليّته ونجاعته في صون الحدّ الأدنى الضّروريّ من الأمن الجماعيّ الخليجيّ أيضاً. ولعلّه وحده، اليوم، ما يمكن اعتبارُه المظهرَ اليتيم المصغَّر لفكرة الأمن القوميّ الجامع والمشترك الذي كان يُفترض أن يشمل البلاد العربيّة كلَّها منذ توافقت دولُها، قبل ثلاثة أرباع القرن، على العمل بأحكام «معاهدة الدّفاع العربيّ المشترك» (1950)، من غير تفعيلٍ منها، يوماً، لتلك الأحكام على هوْل ما واجهتْه من حروب واحتلالات!
على أنّ الأمن الذّاتيّ الخليجيّ يحتاج إلى أن يتعزّز أكثر ويَقْوى حالاً وشوكةً بأمن عربيّ رافدٍ، لأنّ التّحديّ الذي تواجهه أقطار الخليج العربيّ، إقليميّاً ودوليّاً، ضخمٌ وكبير ويُجاوِز قدْرات الإقليم الواحد منفرداً. ليس في صيغةٍ متوافَقٍ عليها لأمنٍ قوميّ في الخليج العربيّ ما يُخشى على الخليج العربيّ منها، فهي في رصيد أمنه تصُبّ لا محالة، وهو ممّا تقدّمه له من أمنٍ مستفيدٌ أعظمَ الاستفادة. إلى ذلك، يُوفّر وجودُ صيغِ منظومةٍ أمنيّة عربيّة لمنطقة الخليج العربيّ توازناً في القوى الإقليميّة مطلوباً، والأهمّ من ذلك يكرّس الحقيقة التي لا مندوحة عن التّشديد عليها: إنّ أمن الخليج جزءٌ لا يتجزّأ من الأمن القوميّ العربيّ.