تتلخص الحجة المسموعة الآن على نطاق واسع في أن أوكرانيا ما كانت لتواجه الورطة التي تواجهها الآن لو احتفظت بمخزونها الكبير من الأسلحة النووية في نهاية الحرب الباردة . والواقع أن هذه الحجة تنطوي على عواقب سياسية خطيرة ولا ينبغي لها أن تمر دون أن نتصدى لتفنيدها .
فبرغم معقولية هذه الحجة سطحياً، فإنها لا تصمد للتدقيق في مواجهة الأدلة المتاحة حول الكيفية التي تتصرف بها الدول . إن الأسلحة النووية ببساطة ليست الرادع الفعّال كما يتصور أغلب الناس، سواء كان السياق حرباً رادعة بين قوى كبرى مسلحة نووياً أو حماية دول أضعف ضد هجوم تقليدي .
والادعاء بأن توازن الرعب النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي حافظ على السلام خلال فترة الحرب الباردة وكان مهما منذ ذلك الوقت في تقييد الدول المتحاربة المحتملة (بما في ذلك الهند وباكستان، والهند والصين، والصين والولايات المتحدة) ليس بالقوة التي قد يبدو عليها على الإطلاق . فلا يوجد أي دليل يشير إلى رغبة الاتحاد السوفييتي أو الولايات المتحدة في أي وقت أثناء الحرب الباردة في شن حرب، ثم امتنعت عن ذلك فقط بسبب وجود الأسلحة النووية لدى الجانب الآخر .
والآن نعلم أن التعرف إلى حيازة الخصم لأسلحة مدمرة أكثر تفوقاً (كما كانت الحال مع الأسلحة الكيميائية والبيولوجية قبل عام 1939) لم يمنع الحرب بين القوى الكبرى في الماضي . ولم تكن مشاهد أو احتمالات الأضرار الهائلة بالمدن والخسائر المروعة في أرواح المدنيين كافية لحمل القادة على التراجع بما في ذلك ما بعد قصف هيروشيما وناغازاكي . والآن هناك أدلة تاريخية قوية تشير إلى أن العامل الرئيسي الذي دفع اليابان إلى طلب السلام لم يكن الهجمات النووية؛ بل إعلان الاتحاد السوفييتي الحرب عليها في وقت لاحق من الأسبوع نفسه .
ولكن إن لم تكن الأسلحة النووية هي التي حافظت على "السلام الطويل" منذ عام 1945 فما الذي حافظ عليه إذن؟ لعل التفسير المعقول هو ببساطة أن القوى الكبرى أدركت بعد تجربة الحرب العالمية الثانية (وفي ضوء كل التقدم التكنولوجي السريع التي أعقبت ذلك)، أن الأضرار التي قد تُحدِثها أي حرب ستكون مرعبة إلى حد لا يصدق وسوف تفوق أي فائدة يمكن تصورها .
ولكن ماذا عن الفكرة، المتصلة بشكل أكثر مباشرة بأوكرانيا اليوم، والتي تزعم أن الأسلحة النووية تصلح كمعادل استراتيجي ضروري للتعويض عن دونية القوى والقدرات التقليدية؟ ومن المؤكد أن كوريا الشمالية تعتقد أن حيازة حتى أقل عدد من الأسلحة النووية يشكل رادعاً بعض الشيء ضد تغيير النظام بالقوة، ولا شك أن تجربة صربيا في عام ،1999 والعراق في عام ،2003 وليبيا في عام 2011 تعزز رؤيتها التي تتلخص في أن الدول التي لا تملك مثل هذه الأسلحة عُرضة للخطر بشكل خاص .
ولكن الأسلحة التي قد تكون انتحارية بشكل واضح ليست في نهاية المطاف رادعاً جديراً بالثقة . فهي لن تمنع ذلك النوع من المغامرات التي نراها الآن في أوكرانيا، لأن المخاطر المرتبطة باستخدامها المتعمد مرتفعة للغاية ببساطة . وكل من الطرفين في مثل هذه المواقف يدرك هذه الحقيقة تمام الإدراك . فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعلم أن احتمالات قصف أوكرانيا لموسكو بالقنابل النووية بسبب إرسالها دبابات إلى شبه جزيرة القرم أو حتى دنيبروبتروفسك لن تكون أكثر ترجيحاً من احتمالات قصف الولايات المتحدة لها .
إن الأسلحة النووية ليست هي أدوات تحقيق الاستقرار كما يفترض كثيرون . وربما يرجع هذا إلى حجم الدمار الذي تحدثه الأسلحة النووية والذي يجعل استخدامها العسكري العملي غير متصور تحت أي ظرف يمكن تخيله تقريبا . ولعل المحظور الأخلاقي المفهوم هو الذي كَبَح حتى وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس الذي قال: "لو استخدمت الولايات المتحدة الأسلحة النووية في كوريا أو فيتنام أو ضد الصين بشأن تايوان فإن هذا كان ليجهز علينا تماماً من منظور الرأي العام العالمي في يومنا الحاضر" .
وأياً كان السبب فقد وقعت بشكل منتظم صراعات كانت الأسلحة النووية لتلعب فيها دورا، ولكن هذا لم يحدث . ولنتأمل هنا القائمة الطويلة من الحروب حيث أقدمت قوى غير نووية إما على شن هجوم مباشر على قوى نووية أو لم يردعها احتمال تدخلها النووي: كوريا، وفيتنام، ويوم كيبور، وجُزر فوكلاند، فضلاً عن حربين في أفغانستان منذ سبعينات القرن العشرين وحرب الخليج الأولى .
ثم هناك الحالات حيث كان امتلاك الجانبين للأسلحة النووية سبباً في منح أحد الجانبين الفرصة لإطلاق عمليات عسكرية مصغرة دون خوف كبير من الانتقام النووي، بدلاً من العمل كعامل مقيد، وذلك نظراً للمخاطر الهائلة المترتبة على مثل هذه الاستجابة . ولنتذكر هنا حرب كارجيل بين باكستان والهند في عام 1999 .
وهناك قدر كبير من الأدلة الكمية، والسردية، التي تدعم ما هو معروف في الأدب باسم "مفارقة الاستقرار/عدم الاستقرار" أو الفكرة القائلة بأن ما قد يبدو توازناً نووياً مستقراً يشجع المزيد من العنف في واقع الأمر . فالخط التقليدي القديم يشير إلى أن "غياب الأسلحة النووية من شأنه أن يجعل العالم مكاناً آمناً للحروب التقليدية" . ولكن من الأقرب إلى القبول أن نتصور أن وجود الأسلحة النووية هو الذي جعل العالم مكاناً أكثر أماناً لاستقبال مثل هذه الحروب .
وهناك أمر واحد كان وجود الأسلحة النووية الأوكرانية ليضيفه إلى معادلة اليوم: طبقة ضخمة أخرى من المخاطر المحتملة، وذلك نظراً لخطر الانزلاق إلى الكارثة عن طريق المصادفة أو الحسابات الخطأ أو خطأ في النظام أو التخريب . ولابد أن يعترف حتى أصدق المؤمنين بالردع النووي بأنه كان دوماً أساساً بالغ الهشاشة للحفاظ على السلام المستقر .
ولا يمكننا أن نفترض ببساطة أن الغلبة سوف تكون دوماً للهدوء والعقلانية المدروسة في ظل الضغوط الهائلة التي تفرضها الأزمات أثناء تطور أحداثها . ومن المؤكد أننا لا نستطيع أن نفترض عدم وقوع أخطاء بشرية أو تكنولوجية على الإطلاق، مع قراءة الأحداث غير المؤذية في بعض الأحيان بوصفها تهديداً مباشرا (كما حدث في عام 1995 عندما نُصِح الرئيس الروسي بوريس يلتسين بتوجيه ضربة انتقامية على الفور ضد صاروخ قادم تابع لحلف شمال الأطلسي، والذي تبين في النهاية أنه كان صاروخاً نرويجياً علمياً) .
وهناك أيضاً الخطر الكبير المتمثل في سوء الفهم أو التواصل (والذي تفاقم الآن بسبب تطور الأسلحة السيبرانية) وأخطاء الأنظمة الأساسية . فالآن كشف قدر كبير من الأدلة الأرشيفية من سنوات الحرب الباردة عن مدى اقتراب العالم من الكارثة بانتظام في حالات تفوق كثيراً ما كان معروفاً آنذاك . وتضيف التقارير المتكررة عن الإخفاقات الأمنية والمشاكل الحادة المتعلقة بالمعنويات في مواقع الصواريخ الأمريكية اليوم إلى وطأة هذا التخوف . يبدو أن المتحمسين للأسلحة النووية يتملكهم نهم لا يشبع للحجج الفاسدة . ولم نسمع في سياق الأزمة الأوكرانية ما يشير إلى أن سجلهم قد تحسن .
فبرغم معقولية هذه الحجة سطحياً، فإنها لا تصمد للتدقيق في مواجهة الأدلة المتاحة حول الكيفية التي تتصرف بها الدول . إن الأسلحة النووية ببساطة ليست الرادع الفعّال كما يتصور أغلب الناس، سواء كان السياق حرباً رادعة بين قوى كبرى مسلحة نووياً أو حماية دول أضعف ضد هجوم تقليدي .
والادعاء بأن توازن الرعب النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي حافظ على السلام خلال فترة الحرب الباردة وكان مهما منذ ذلك الوقت في تقييد الدول المتحاربة المحتملة (بما في ذلك الهند وباكستان، والهند والصين، والصين والولايات المتحدة) ليس بالقوة التي قد يبدو عليها على الإطلاق . فلا يوجد أي دليل يشير إلى رغبة الاتحاد السوفييتي أو الولايات المتحدة في أي وقت أثناء الحرب الباردة في شن حرب، ثم امتنعت عن ذلك فقط بسبب وجود الأسلحة النووية لدى الجانب الآخر .
والآن نعلم أن التعرف إلى حيازة الخصم لأسلحة مدمرة أكثر تفوقاً (كما كانت الحال مع الأسلحة الكيميائية والبيولوجية قبل عام 1939) لم يمنع الحرب بين القوى الكبرى في الماضي . ولم تكن مشاهد أو احتمالات الأضرار الهائلة بالمدن والخسائر المروعة في أرواح المدنيين كافية لحمل القادة على التراجع بما في ذلك ما بعد قصف هيروشيما وناغازاكي . والآن هناك أدلة تاريخية قوية تشير إلى أن العامل الرئيسي الذي دفع اليابان إلى طلب السلام لم يكن الهجمات النووية؛ بل إعلان الاتحاد السوفييتي الحرب عليها في وقت لاحق من الأسبوع نفسه .
ولكن إن لم تكن الأسلحة النووية هي التي حافظت على "السلام الطويل" منذ عام 1945 فما الذي حافظ عليه إذن؟ لعل التفسير المعقول هو ببساطة أن القوى الكبرى أدركت بعد تجربة الحرب العالمية الثانية (وفي ضوء كل التقدم التكنولوجي السريع التي أعقبت ذلك)، أن الأضرار التي قد تُحدِثها أي حرب ستكون مرعبة إلى حد لا يصدق وسوف تفوق أي فائدة يمكن تصورها .
ولكن ماذا عن الفكرة، المتصلة بشكل أكثر مباشرة بأوكرانيا اليوم، والتي تزعم أن الأسلحة النووية تصلح كمعادل استراتيجي ضروري للتعويض عن دونية القوى والقدرات التقليدية؟ ومن المؤكد أن كوريا الشمالية تعتقد أن حيازة حتى أقل عدد من الأسلحة النووية يشكل رادعاً بعض الشيء ضد تغيير النظام بالقوة، ولا شك أن تجربة صربيا في عام ،1999 والعراق في عام ،2003 وليبيا في عام 2011 تعزز رؤيتها التي تتلخص في أن الدول التي لا تملك مثل هذه الأسلحة عُرضة للخطر بشكل خاص .
ولكن الأسلحة التي قد تكون انتحارية بشكل واضح ليست في نهاية المطاف رادعاً جديراً بالثقة . فهي لن تمنع ذلك النوع من المغامرات التي نراها الآن في أوكرانيا، لأن المخاطر المرتبطة باستخدامها المتعمد مرتفعة للغاية ببساطة . وكل من الطرفين في مثل هذه المواقف يدرك هذه الحقيقة تمام الإدراك . فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعلم أن احتمالات قصف أوكرانيا لموسكو بالقنابل النووية بسبب إرسالها دبابات إلى شبه جزيرة القرم أو حتى دنيبروبتروفسك لن تكون أكثر ترجيحاً من احتمالات قصف الولايات المتحدة لها .
إن الأسلحة النووية ليست هي أدوات تحقيق الاستقرار كما يفترض كثيرون . وربما يرجع هذا إلى حجم الدمار الذي تحدثه الأسلحة النووية والذي يجعل استخدامها العسكري العملي غير متصور تحت أي ظرف يمكن تخيله تقريبا . ولعل المحظور الأخلاقي المفهوم هو الذي كَبَح حتى وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس الذي قال: "لو استخدمت الولايات المتحدة الأسلحة النووية في كوريا أو فيتنام أو ضد الصين بشأن تايوان فإن هذا كان ليجهز علينا تماماً من منظور الرأي العام العالمي في يومنا الحاضر" .
وأياً كان السبب فقد وقعت بشكل منتظم صراعات كانت الأسلحة النووية لتلعب فيها دورا، ولكن هذا لم يحدث . ولنتأمل هنا القائمة الطويلة من الحروب حيث أقدمت قوى غير نووية إما على شن هجوم مباشر على قوى نووية أو لم يردعها احتمال تدخلها النووي: كوريا، وفيتنام، ويوم كيبور، وجُزر فوكلاند، فضلاً عن حربين في أفغانستان منذ سبعينات القرن العشرين وحرب الخليج الأولى .
ثم هناك الحالات حيث كان امتلاك الجانبين للأسلحة النووية سبباً في منح أحد الجانبين الفرصة لإطلاق عمليات عسكرية مصغرة دون خوف كبير من الانتقام النووي، بدلاً من العمل كعامل مقيد، وذلك نظراً للمخاطر الهائلة المترتبة على مثل هذه الاستجابة . ولنتذكر هنا حرب كارجيل بين باكستان والهند في عام 1999 .
وهناك قدر كبير من الأدلة الكمية، والسردية، التي تدعم ما هو معروف في الأدب باسم "مفارقة الاستقرار/عدم الاستقرار" أو الفكرة القائلة بأن ما قد يبدو توازناً نووياً مستقراً يشجع المزيد من العنف في واقع الأمر . فالخط التقليدي القديم يشير إلى أن "غياب الأسلحة النووية من شأنه أن يجعل العالم مكاناً آمناً للحروب التقليدية" . ولكن من الأقرب إلى القبول أن نتصور أن وجود الأسلحة النووية هو الذي جعل العالم مكاناً أكثر أماناً لاستقبال مثل هذه الحروب .
وهناك أمر واحد كان وجود الأسلحة النووية الأوكرانية ليضيفه إلى معادلة اليوم: طبقة ضخمة أخرى من المخاطر المحتملة، وذلك نظراً لخطر الانزلاق إلى الكارثة عن طريق المصادفة أو الحسابات الخطأ أو خطأ في النظام أو التخريب . ولابد أن يعترف حتى أصدق المؤمنين بالردع النووي بأنه كان دوماً أساساً بالغ الهشاشة للحفاظ على السلام المستقر .
ولا يمكننا أن نفترض ببساطة أن الغلبة سوف تكون دوماً للهدوء والعقلانية المدروسة في ظل الضغوط الهائلة التي تفرضها الأزمات أثناء تطور أحداثها . ومن المؤكد أننا لا نستطيع أن نفترض عدم وقوع أخطاء بشرية أو تكنولوجية على الإطلاق، مع قراءة الأحداث غير المؤذية في بعض الأحيان بوصفها تهديداً مباشرا (كما حدث في عام 1995 عندما نُصِح الرئيس الروسي بوريس يلتسين بتوجيه ضربة انتقامية على الفور ضد صاروخ قادم تابع لحلف شمال الأطلسي، والذي تبين في النهاية أنه كان صاروخاً نرويجياً علمياً) .
وهناك أيضاً الخطر الكبير المتمثل في سوء الفهم أو التواصل (والذي تفاقم الآن بسبب تطور الأسلحة السيبرانية) وأخطاء الأنظمة الأساسية . فالآن كشف قدر كبير من الأدلة الأرشيفية من سنوات الحرب الباردة عن مدى اقتراب العالم من الكارثة بانتظام في حالات تفوق كثيراً ما كان معروفاً آنذاك . وتضيف التقارير المتكررة عن الإخفاقات الأمنية والمشاكل الحادة المتعلقة بالمعنويات في مواقع الصواريخ الأمريكية اليوم إلى وطأة هذا التخوف . يبدو أن المتحمسين للأسلحة النووية يتملكهم نهم لا يشبع للحجج الفاسدة . ولم نسمع في سياق الأزمة الأوكرانية ما يشير إلى أن سجلهم قد تحسن .
غاريث إيفانز