د. حبيب الملا

لا يختلف اثنان في أن دولة الإمارات العربية المتحدة، قد حققت نجاحات باهرة في مختلف المجالات. ولعل من أهم الإنجازات التي تحققت على أرض الإمارات، الإنجازات الكثيرة، كالارتقاء بمنظومة العمل الإداري الحكومي ونقله من رحلة عذاب يمر بها المراجع إلى مفهوم «الخدمة» بكل ما تعنيه هذه الكلمة من مفهوم، إرضاء للعميل المراجع وقضاء حاجته بيسر وسلاسة ومع ابتسامة.
والفضل في ذلك يعود إلى رائد العمل الحكومي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، والذي أسس في هذا الفن مدرسة، أصبحت تضرب بها الأمثال.
ولم يكتف سموه بتحقيق هذا الإنجاز، لكنه أصر على نقله إلى مرحلة الخدمة الإلكترونية ثم لاحقاً الخدمة الذكية؛ بحيث أصبح المراجع ينجز معظم معاملاته من خلال الأجهزة الذكية دون حاجة إلى تكبد معاناة التنقل وضياع الوقت.
ولعل هذا النجاح الإداري، قد أغرى بعض الجهات الحكومية بمحاولة نقل هذه التجربة الناجحة وتوسيع نطاق العمل الذي تؤديه إلى خارج نطاق عملها الأساسي. فأصبحت بعض الجهات الحكومية تمارس أعمالاً يغلب عليها الطابع التجاري، مما يدخل في صميم عمل القطاع الخاص.
وبعض هذه الجهات، قامت فقط بالاكتفاء الذاتي؛ بحيث أصبحت تقوم هي بكل ما تحتاجه من خدمات وإنتاج، والبعض الآخر توسع في ذلك حتى أصبح يقدم خدماته التجارية إلى الغير. وللحق فإن هذه الجهات تؤدي معظم هذه الأعمال أيضاً بنجاح يساعدها على ذلك موقعها السيادي والتسهيلات التي تحوزها بحكم موقعها.
والاستمرار في هذا الأمر، سيؤدي حتماً إلى توسيع نطاق القطاع العام؛ بحيث يكون هو المحرك الأكبر للنشاطات الاقتصادية. وهذه تجربة قامت بها بعض الدول العربية في حقبة الاشتراكية التي سادت في خمسينات وستينات القرن المنصرم، وكانت عاقبتها وخيمة؛ إذ أدى ذلك إلى تدهور الخدمات التي كان يقدمها القطاع العام بما في ذلك الخدمات الأساسية المناطة به.
إن دخول القطاع العام إلى مجال نشاط القطاع الخاص، يكون مطلوباً أحياناً لتحقيق المشاريع السيادية الكبرى التي يعجز القطاع الخاص عن الخوض فيها لضخامة رأس المال المطلوب أحياناً، أو لأن العائد الاقتصادي لتلك المشاريع قد لا يكون بالسرعة وبالحجم الذي يتوخاه القطاع الخاص. فمشاريع مثل طيران الإمارات، وطيران الاتحاد، ودوبال، وغيرها من المشاريع العملاقة التي تقود النمو الاقتصادي اليوم ما كانت لتقوم لولا دور الدولة الأساسي في إقامة هذه المشاريع وإيلائها الدعم حتى تحققت لها الريادة.
كما أن فشل القطاع الخاص أحياناً في تقديم بعض الأعمال التجارية، يكون أيضاً مبرراً للقطاع العام لإدارة هذه المشاريع ريثما تحقق النجاح ومن ثم يتم تعهيدها إلى القطاع الخاص. أما في غير هاتين الحالتين، فإن منافسة القطاع العام للقطاع الخاص وإن حققت هذه المنافسة بعض الوفر أو العوائد على المدى القصير إلا أن نتائجه على المدى البعيد ستكون حتماً ضارة بالاقتصاد.
فدخول القطاع العام على خط المنافسة مع القطاع الخاص في تقديم خدمات تجارية سواء للقطاع العام ذاته أو حتى للغير، كما يحدث أحياناً، سيؤدي بالضرورة إلى انكماش القطاع الخاص وتحجيم دوره وضعف مساهمته في عملية التنمية الاقتصادية وإلى انكماش الاقتصاد بشكل عام مع مرور الزمن.
كما أن قيام الشركات الحكومية بتقديم خدمات تجارية، سيؤدي حتماً إلى خفض الإنفاق الحكومي والحد من ضخ الأموال العامة في الدورة الاقتصادية، الأمر الذي سيؤدي مع الوقت إلى تهميش القطاع الخاص وتقزيمه.
ولا أظن أن هذا الأمر يحقق الرؤية الاقتصادية التي تتبناها الدولة. فمنذ تأسيسها والدولة تعمل على دعم القطاع الخاص وتقديم جميع الحوافز التي تمكنه من أداء دوره كشريك كامل في عملية التنمية.
كما كان للقطاع الخاص مساهمة كبيرة في الإيرادات الحكومية من خلال الرسوم التي يدفعها، إضافة إلى قيامه ولو بمساهمة محدودة حتى الآن وفي بعض القطاعات كالمصارف في تشغيل الأيدي العاملة المواطنة رافعاً بذلك جزءاً من هذا العبء عن كاهل الحكومة.
ناهيك عن أن بعض الجهات الحكومية مُناط بها أدوار رقابية وتنظيمية لمراقبة عمل الأنشطة التجارية وضبطها. وممارسة الجهات الحكومية للأعمال التجارية، سيخلق نوعاً من تضارب المصالح بين الدور الرقابي والتنظيمي لتلك الجهات ودورها التجاري؛ إذ كيف تكون هي الجهة الرقابية للأنشطة التي تمارسها.
إن ضعف القطاع الخاص، ستكون له أيضاً آثاراً اجتماعية؛ إذ سيؤدي مع مرور الزمن إلى تقلص الطبقة المتوسطة التي هي العمود الفقري لأي مجتمع.
إن المطلوب من الجهات الحكومية هو الاستمرار بالارتقاء في أداء مهامها الأساسية، والارتقاء بمنظومة العمل الحكومي، لا لتنافس على المراكز الأولى على مستوى العالم فحسب، بل لتتصدر المركز الأول دون منازع وهي الرؤية التي يتبناها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حينما يصرح دائماً بأنه لا يرضى إلى بالمركز الأول. أما القطاع الخاص فسيواصل دوره في عملية التنمية من خلال الدعم والتوجيه الحكومي الذي كان ولا يزال سند نجاحه.