أزمة الغذاء العالمية والأمن الغذائي ... سعيد بن سويد النصيبي

02:09 صباحا
قراءة 5 دقائق

يمر العالم اليوم بأسوأ أزمة غذائية يشهدها القرن الحالي، ويعيش حالة عجز غذائي تزداد حدة يوما بعد يوم . فحجم الإنتاج من المواد الغذائية لا يكفي لتغطية الاستهلاك العالمي، والسلع الغذائية الرئيسية تتجه باستمرار نحو التناقص بشكل كبير، كما ترتفع أسعارها أيضا بصورة مستمرة مما يهدد باستمرار هذه الأزمة في العام المقبل وربما لسنوات أخرى، وشهدت أسعار المواد الغذائية ارتفاعا كبيرا خلال الفترة الماضية حيث ارتفعت أسعار الأرز والقمح والمواد الأخرى إلى أعلى مستوى على الإطلاق وفي الوقت نفسه أثار نقص الإمدادات اضطرابات سياسية ومظاهرات وحوادث شغب في كثير من الدول، وأدى إلى فرض بعض الدول المنتجة الرئيسية قيوداً على التصدير لحماية المخزونات المحلية المتناقصة وسد احتياجاتها المحلية، مما دفع الأسعار نحو مزيد من الارتفاع فأصبح العالم يعيش أزمة حقيقية قد يصعب الخروج منها على المدى القصير .

إن أسوأ الآثار لهذه الأزمة تتمثل في تهديد الكثير من الدول وخاصة الفقيرة التي لا تستطيع توفير الغذاء بشبح المجاعة، وأشار مدير المنظمة العالمية للأغذية والزراعة (الفاو)، في تصريحات صحافية، إلى أن هناك أكثر من 862 مليون فرد حالياً في العالم يعانون المجاعة من أصل ستة مليارات نسمة، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم في السنوات المقبلة وأن دولاً كثيرة سوف تعاني من المجاعة، الأمر الذي يتطلب التدخل السريع من الدول المانحة للقضاء على المجاعة في العالم قبل أن تطال دولاً أخرى، من هذا يتضح حجم الأزمة التي قد لا يشعر بها الكثير منا .

وبما أننا جزء من هذا العالم ونتأثر به، فإننا مهددون أن نعيش أزمة حقيقية بما أننا دولة مستوردة للغذاء وهذا يضعنا في مواجهة مع هذه الأزمة، وقد حذر وزير الاقتصاد أخيرا من صعوبة الوضع الغذائي في الدولة بدايةً من العام المقبل ،2009 إذا لم يتم التنسيق بين الجهات المعنية، وتتكاتف الجهود، ويبدأ التخطيط للمواجهة سريعاً في ظل اعتماد الإمارات على وارداتها من الغذاء على دول آسيوية في توفير حاجاتها الأساسية من الحبوب كالأرز والقمح، والتي تعمل على تغيير سياساتها التصديرية، لتوفير الغذاء لسكانها مثل الهند، وباكستان، ودول شرق آسيا، مما يطرح موضوع الأمن الغذائي والعمل بسرعة على أخذ المسألة بصورة جدية .

علينا ألا نغفل عن حقيقة كوننا منطقة صحراوية تصعب الزراعة فيها، وأننا نستورد 90% من غذائنا، وقد يكون لدينا اكتفاء ذاتي في بعض المنتجات، ولكن ليس في المواد الرئيسية . وتدل المؤشرات على أن الدولة ستعاني الكثير من الصعوبات في توفير الغذاء، التي من أهمها نقص في تدفق المواد الغذائية الرئيسية إلى أسواق الدولة .

لذلك علينا التنبه سريعاً لمواجهة هذه الأزمة والعمل على تحقيق الأمن الغذائي ووضع الخطط وتطبيق ما أعلن عنه سابقاً من إقامة مشروع وطني للأمن الغذائي، باعتباره من الأولويات المطلقة في المرحلة الحالية، وأعتقد أنه يجب البدء فوراً في توفير مخزون استراتيجي احتياطي من الغذاء في الدولة والعمل على الاستثمار في إنتاج الغذاء وخصوصا زراعة الأرز والقمح في دول أخرى، وهناك بوادر طيبة وخطوات عملية في هذا الاتجاه، حيث أعلن وزير الاقتصاد أن الوزارة بدأت في وضع الخطط والاستراتيجيات لتوسيع الاستثمار الزراعي الخارجي في عدد من الدول العربية وغير العربية، خصوصاً في مصر، وشمال السودان، والهند، وباكستان، ونحن ندعو إلى الاستثمار الزراعي في الدول التي تمتلك أراضي زراعية شاسعة، مثل السودان، والعديد من الدول الإفريقية، لتأمين الغذاء بتكلفة مناسبة، ولتحقيق الأمن الغذائي ومن الضروري تناول هذا الموضوع ضمن خطط واستراتيجيات الأمن الغذائي الوطني .

إن أهم خطوة في المرحلة الحالية من وجهة نظري لمواجهة الأزمة المقبلة هي العمل وبسرعة على تكوين المخزون الاستراتيجي وهي خطوة في غاية الأهمية، وليست غائبة عنا قصة سيدنا يوسف عليه السلام التي ذكرت في القرآن الكريم عندما فسر رؤيا الملك والتي تبين أهمية المخزون الغذائي لمواجهة الأزمات أو نقص المواد الغذائية في أوقات الجدب والجفاف أو الحروب، حيث قال الله تعالى:

وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سنبلات خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ، قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بِعَالِمِينَ، وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ، يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ، قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلا قَلِيلا مِمَّا تَأْكُلُون، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ .

لذلك فلا بد من تكاتف الجميع في هذه المسألة والتنسيق بين الجهات المختلفة في الدولة، وعلى الجمعيات التعاونية أن تقوم بدورها في المساهمة في هذا المشروع الاستراتيجي حتى لا نفاجأ ونعيش سنوات عجافاً شداداً لا نجد فيها ما نأكله، فماذا لو امتنعت الدول التي نستورد منها عن توريد أهم سلعة غذائية بالنسبة للمواطنين وهي الأرز أو القمح؟ الحل يكمن في اللجوء إلى المخزون والذي بطبيعة الحال يغطي فترة محدودة قد لا تتجاوز السنة، ولكن إذا لم يوجد المخزون؟

إذاً لا يخفى على أحد حقيقة المشكلة وحجمها، فتفاقم أزمة الغذاء، وارتفاع أسعاره ربما يفوق قدرة وإمكانيات بعض الفئات وخاصة من محدودي الدخل على توفيره نظراً للزيادة الكبيرة في أسعار السلع الأساسية والتي تضاعفت بنسبة 300% في الفترة الأخيرة، وهذا يشكل تهديداً خطيراً للأمن والاستقرار لأن الأمر يتعلق بقوت الناس وحياتهم، وبالتالي فالقضية ليست اقتصادية فقط ولكنها أمنية في المقام الأول، بل ربما تكون أشد وطأة عندنا باعتبار أننا مستورد صاف للسلع الغذائية، وهذه القضية تدق ناقوس الخطر مما يؤكد من جديد أهمية الأمن الغذائي باعتبارها قضية أمن قومي، وليس مجرد أزمة اقتصادية وتبرز هنا أهمية العمل على المشروع الوطني للأمن الغذائي، لاسيما في ما يتعلق بالاستثمار في المنتجات الغذائية فهناك دول عربية لديها إمكانيات زراعية كبيرة غير مستغلة نتيجة نقص الإمكانات المالية، كما تكتسب فكرة بناء مخزون غذائي استراتيجي بعداً أكثر أهمية إذا ما تم تنفيذها .

خلاصة القول: إن الأزمة الغذائية التي يشهدها العالم اليوم، تطرح نفسها كإحدى أهم الأولويات التي يتعين علينا أن نتعامل معها بالشكل الذي يقلل من انعكاساتها السلبية، ولاسيما أن الأمر لا يتعلق بأزمة مؤقتة في أسعار الغذاء، وإنما بمشكلة ربما تكون طويلة الأمد؛ فليس هناك أخطر على أمن الدول واستقرارها من عجزها عن توفير الغذاء لمواطنيها بالأسعار المناسبة والشكل الملائم .

خبير في التجارة الدولية

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"