من أين للكيان الصهيوني مبدأ الحرص على الحق والعدالة والشرعية الدولية، لكي ينتظر منه المنتظرون أن يحقق هو نفسه في جرائم الحرب التي ارتكبها ويرتكبها، والتي يرصدها العالم لأنها تبث على الهواء مباشرة بلا رتوش، ومحرقة غزة كانت شاهداً لا يزال ماثلاً بصوره كافة؟
رفض إسرائيل تقرير غولدستون، وهو قاضٍ دولي، في شأن محرقة غزة، ثم رفضها المعلن تشكيل لجنة تحقيق داخلية حول ما ارتكبته ضد الشعب الفلسطيني في تلك المحرقة، رفضان طبيعيان من كيان قام على الجرائم ويستمر بها .
رفض كهذا، وتهرب الاحتلال من التعاون مع أي تحقيق كائناً من كان القائم به يشكلان إدانة إضافية له، ويجب التعامل معها من الشرعية الدولية ومن كل من تعنيه القضية الفلسطينية، ومن كل حريص على إحقاق الحق بما يفضي الى ترجمة هذه الإدانة الى محاسبة طال انتظارها، أياً كان حجم من يدعم ويحمي مجرمي الحرب المعروفين والمفتوحة شهيتهم الى ارتكاب المزيد .
اغتصاب وطن جريمة، وقتل شعبه جريمة، والاستيطان جريمة، وطرد أصحاب الأرض الأصليين من منازلهم وأرضهم جريمة، والتمييز العنصري الذي يمارس ضدهم جريمة، وتدنيس المقدسات جريمة، ومنع عودة المشردين من وطنهم جريمة، ومحاصرة شعب بأكمله جريمة، ومنع وصول الغذاء والدواء وحليب الأطفال جريمة، وقس على ذلك كل ما يرتكبه العدو الصهيوني منذ عقود وعقود .
في موازاة ذلك، فإن السكوت عن هذا كله جريمة، كائناً من كان مرتكب جريمة الصمت هذه، كذلك فإن توفير الدعم لهؤلاء القتلة جريمة، والمضي في تشديد إجراءات الحماية لهم من أية مساءلة ومن أية محاسبة جريمة، وشلّ أيدي الشرعية الدولية ومنعها من التحرك ضدهم جريمة مضاعفة .
ما أكثر وما أكبر الجرائم التي ترتكب بحق فلسطين والفلسطينيين وبحق العرب أجمعين، والكارثي أن أصحاب الحق من عرب وفلسطينيين لا يزالون يتدرجون من السيّئ الى الأسوأ، ويشجعون بذلك على ارتكاب المزيد من الجرائم .
متى يُسترد الوعي وتُسترد الإرادة ويُسترد الفعل القادر على وضع حد لهذا كله؟
الجواب هو المفتاح، فهل تتحقق الأعجوبة؟
ما يعيشه الوطن لا ينبئ بالعجائب، ولهذا ليس في الأفق غير انتظار جرائم حرب صهيونية جديدة، وغير ملهاة الخلافات والحساسيات بين العرب أنفسهم، واستيلاد كوارث جديدة تحل بهذه الأمة، التي تبدو مدمنة عليها ولم يعد هناك ما يحركها لصد الخطر الوجودي الذي يتهددها .