يعد «أدب المعتقل» أو «أدب السجون» واحداً من أبرز علامات الأدب الفلسطيني المقاوم، بما حمله من روح انتصارية على تعسف وظلم السجان، وأمل بالحرية، ومواصلة طريق النضال، وفضح للممارسات الوحشية في زنازين الاحتلال «الإسرائيلي»، وقد جاء هذا النوع من الأدب ليرفد الحركة الأدبية الفلسطينية بشكل إبداعي متميز بطبيعته وظروف إنتاجه سواء كتب ونشر خلال فترة الاعتقال أو بعد نيل الحرية.
لقد شكل الإنتاج الإبداعي خلال فترة الاعتقال حالة عالمية امتدت في كل الأصقاع، وهي حالة مؤثرة في الأدب العالمي، لما تتفرد به من سمات نفسية وفكرية تحضر بقوة في ثنايا المنجز الإبداعي أياً كان شكله (رواية، شعراً، قصة، يوميات، خواطر، فكراً) وما تنقله من مشاعر وأحاسيس وتجارب عاشها ومر بها مبدعوها في ظروف حالكة وصعبة، كان فيها الإبداع والكتابة المتنفس الوحيد، والمعوض بجزء بسيط عن الحرية المفقودة، فمن لوركا وغرامشي ونيرودا إلى أحمد فؤاد نجم وصنع الله إبراهيم وعبدالرحمن منيف وعبداللطيف اللعبي وغيرهم الكثير. أما الحالة الفلسطينية فقد أنتجت في هذا الشكل الأدبي عدداً كبيراً من الإبداعات الأدبية بمختلف أشكالها، نتيجة استمرار الاحتلال لفترة طويلة اعتقل خلالها أعداداً كبيرة من الفلسطينيين وما زال حتى يومنا هذا؛ لذا فإن حضور واستمرارية «أدب المعتقل» كان من سمات الأدب الفلسطيني عموماً، وقد بدأت هذه الإنتاجات الأدبية بالظهور منذ مراحل مبكرة، تعبيراً عن حالة إنسانية وأبعاد فكرية ونضالية، وتحدياً لظلمات السجون، وأقبية التعذيب، فها هو الشاعر حنا أبو حنا يكتب من معتقله في سجن الرملة عام 1958:
خسئوا، فما حبسوا نشيدي
بل ألهبوا نار القصيد
نار تأجج، لا تكبل
بالسلاسل والقيود
نار، جحيم للطغاة
وزمرة العسف المريد
شرف لشعري أن يقض
مضاجع الخصم اللدود
فأعجب لشعر يستثير الرعب
في مهج الحديد
أقوى من السجن المزنر
بالعساكر والسدود
سعى الاحتلال «الإسرائيلي» إلى التضييق على الأسرى الفلسطينيين في سجونه بكل الأشكال والطرق، في محاولة لتطويع إرادتهم وكسر روح المقاومة لديهم، وإحباط عزيمتهم وصمودهم، محاولاً زرع ثقافة مشوّهة بديلة، تعمل على صياغة نفسية المعتقل من جديد، لهذا قامت سلطات الاحتلال بإعلان الحظر التام على كل وسيلة ثقافية، حتى الورقة والقلم كان المعتقل محروماً منهما؛ لذا فقد سعى إلى تهريب أدوات الكتابة عبر زيارات المحامين أو الأهل، واستمر الأمر على هذه الحال حتى الإضراب الكبير الذي عمّ المعتقلات في عام 1970، وبدأ بعده بالسماح بإدخال الكتب والصحف والدفاتر والأقلام من خلال الصليب الأحمر، إلا أن سلطات السجون وضعت قيوداً على ذلك تمثلت في إخضاعها للرقابة والتدقيق والفحص الأمني و تحديد نوعية الكتب المسموح بإدخالها، وكذلك كمية الأقلام والورق وأخيراً فرضت على كل معتقل أن لا يقتني أكثر من كتاب واحد.
ومن الكتابات التي صدرت في تلك الفترة ديوان شعري مشترك بعنوان: «كلمات سجينة»، وقد صدر بخط اليد في معتقل بئر السبع عام 1975 ومن المعتقلين الشعراء الذين نشروا قصائدهم في هذا الديوان: محمود الغرباوي، مؤيد البحش، محمود عبد السلام، عبد الله الزق، وليد مزهر، وليد قصراوي، نافذ علان، وليد حطيني، عمر خليل عمر، مشهور سعادة.
ثم في الثمانينات تمكن المعتقلون من تهريب إنتاجاتهم الإبداعية خارج المعتقل، ومن الأعمال الأدبية الإبداعية التي نشرت في هذه الفترة: ديوان «درب الخبز والحديد» لعدنان الصباح 1981، ديوان «أيام منسية خلف القضبان» لمحمد أبو لبن 1983، والمجموعة القصصية «الطريق إلى رأس الناقورة» لحبيب هنا 1984، والمجموعة القصصية «ساعات ما قبل الفجر» لمحمد عليان 1985، ورواية «زنزانة رقم 7» لفاضل يونس 1983.
فيما شكلت نهاية الثمانينات وبداية التسعينات المرحلة الأغزر للإنتاج الأدبي في المعتقلات، وشهدت هذه الفترة زيادة ملموسة في عدد الكتب التي صدرت للمبدعين المعتقلين، ومن أبرزها: ديوان «فضاء الأغنيات» للمتوكل طه 1989، وديوان «المجد ينحني لكم» لعبد الناصر صالح 1989، وديوان «الجراح» لهشام عبد الرازق 1989، وديوان «أوراق محررة» لمعاذ الحنفي 1990، وديوان «حوافر الليل» لفايز أبو شمالة 1990، وديوان «ترانيم خلف القضبان» لعبد الفتاح حمايل 1992، وديوان «رغوة السؤال» للمتوكل طه 1992، وديوان «لن أركع» لعمر خليل عمر 1993، وديوان «اشتعالات على حافة الأرض» لخضر محجز 1995، وقصص «ستطلع الشمس يا ولدي» لمنصور ثابت 1992، وقصص «صحفي في الصحراء» لحسن عبد الله 1993، ورواية «تحت السياط» لفاضل يونس 1988، ورواية «شمس الأرض» لعلي جرادات 1989، ورواية «رحلة في شعاب الجمجمة» لعادل عمر 1990، ورواية «شمس في ليل النقب» لهشام عبد الرازق 1991، ورواية «قهر المستحيل» لعبدالحق شحادة 1992.
لقد رسم هذا الإنتاج الزاخر في مختلف مراحله، حالة إبداعية خاصة ومتفردة، نقل من خلالها الكاتب والشاعر والقاص والروائي المعتقل، مشاعره وأحاسيسه، والحياة التي كان يعيشها المعتقلون تحت التعذيب وإهانة الكرامات والتهديدات بكافة أشكالها، وقد جاء كثير من هذه الإبداعات ليسجل هذه الأحداث بشكل تفصيلي، وأحياناً كثيرة برواية الوقائع كما هي باللحظة والموقف والأسماء، لكن الأمر لم يتوقف عند محاولة نقل الحياة في المعتقل، بل إنه امتد ليكون إبداعاً مقاوماً، لا يتخلى عن مبادئه وقيمه وأفكاره، ونظرته لطبيعة الصراع مع الاحتلال، فلا يذعن ويتهاون في قضية الأمة، بل إنه يزيد إصراراً على تثبيت موقفه، ويتفاعل مع الأحداث الجارية خارج المعتقل، ويوثقها ويناقشها ويكتب عنها، كما كان الحال في وقت الانتفاضة الفلسطينية التي حضرت بقوة وزخم كبيرين في إبداعات المعتقلين شعراً وقصة ورواية.
وحتى اليوم فإن هذه الإصدارات ما زالت تتوالى تباعاً، لتوثق حياة الفلسطيني ومعاناته وثورته ومقاومته، وطريقة عيشه، وتمسكه بتراثه وأرضه، وسعيه نحو الخلاص والتحرر من قبضة السلاسل الحديدية التي يفرضها المحتل، ومن الإصدارات الحديثة ضمن سلسلة «أدب السجون»على سبيل المثال لا الحصر، ديوان للشاعر الغزي محمود الغرباوي بعنوان: «رفيق السالمي يسقي غابة البرتقال» وهي المجموعة الشعرية الثانية للشاعر بعد مجموعته الأولى «الفجر والقضبان» وهذه المجموعة تواكب مجريات الأحداث والعديد من المناسبات الوطنية على مدار اثني عشر عاماً قضاها الشاعر في المعتقل، ويخص الديوان العديد من الشهداء؛ حيث أفرد لهم قصائد حملت أسماءهم. كما صدرت رواية «سجن السجن» للأسير عصمت منصور، وهي رواية تحكي معاناة أسير حكم بالسجن لمدة ثلاثة وعشرين عاماً. ورواية «عناق الأصابع» للكاتب المقدسي عادل سالم عام 2010، والتي تفضح ممارسات المحتل «الإسرائيلي»، الذي يحرم الأسرى وذويهم حتى من المصافحة والعناق أثناء الزيارة.