من المفروغ منه أن الموهبة ضرورية في كل عمل إبداعي، سواء كان فناً تشكيلياً، أو شعراً، أو رواية، ومع تقدم الدراسات النفسية في هذا العصر، اكتُشف أنها أيضاً مهمة في مجالات عدة، يكون الإبداع فيها خفياً لكنه موجود مثل العلاقات الإنسانية، وإدارة الأعمال، وغيرها من الوظائف والحرف، ومع وجود الموهبة والممارسة يصل الإنسان إلى أعلى مستوى من العطاء في الفن الذي يمارسه، ويبتكر ما لم يسبق إليه، فاكتشاف الموهبة مبكراً، وتعهدها بالرعاية كفيل بأن يفجر طاقة صاحبها، ويوجهها في الاتجاه المطلوب حتى تعطي النتائج المرجوة منها، وهناك من الأشخاص من يكون لديهم استعداد فطري لإتقان مجالات إبداعية عدة، كأن يكونوا رسامين وشعراء، أو روائيين ونحاتين، أو موسيقيين وشعراء، وغير ذلك من المواهب المتعددة التي يجمعها فرد واحد موهوب، ويمارسها جميعاً بالتناوب.
من الموهوبين من ينجح في جمع مواهب عدة ويبدع فيها جميعاً، وقد كان الفرنسي جان بول سارتر «1905 - 1980» فيسلوفاً، وروائياً، ومسرحياً، وسيناريست، وحصل على نوبل للآداب، كذلك كان كلود سيمون روائياً، ورساماً، ومصوراً فوتوغرافياً، وقد حصل على نوبل للآداب عام 1985، وجمع الكاتب الفرنسي من أصل صيني «جاو كسينغجيان»، بين كتابة الرواية والرسم، وقد حصل على نوبل عام 2000، ويعني هذا النجاح الباهر لأولئك الكتاب الفنانين إمكانية الوصول إلى الإبداع في مواهب عدة. لكنّ هذا استثناء، وفي العادة يحتاج الإنسان للوصول إلى الإبداع إلى التركيز في مجال واحد هو الذي يمتلك فيه موهبة أقوى، ويميل إليه أكثر، لأن الإبداع لا يأتي مرة واحدة، ومن النادر أن يأتي سريعاً، ويحتاج إلى وقت طويل من التعلم والتدريب والممارسة المتواصلة، حتى يخبر خفايا الفن الذي يمارسه، ويختزل تقنياته في عقله الباطن، ويصبح يفكر من خلالها، لابتكار شيء جديد.
تعدد المواهب مهم في شؤون الحياة العامة، والعمل الحرفي، وقد يحل به الإنسان مشكلات عدة، ويستفيد منه في حياته اليومية، لكنه في مجالات الأدب والفنون الجميلة، قد يكون عائقاً عن الابتكار واختراع الجديد، لأن صاحبه يقسّم وقته بين ميادين عدة، فيتشتت تركيزه، ويصبح عاجزاً عن خلق الجديد المطلوب منه، لتجاوز الآخرين، فلما كانت حياة الإنسان اليوم تتسم بالسرعة، والانشغال الدائم، فمن أين له كل هذا الوقت الذي سيعطي منه شيئاً للأدب، وشيئاً للرسم، وشيئاً للتصوير مثلاً.. إن عمراً واحداً لا يكفي لصناعة إبداع في مجال الشعر مثلاً، فكيف يشرك معه نوعاً إبداعياً آخر؟
ينصح «علم نفس الإبداع» الأشخاص المتميزين الذي يظهرون استعداداً فطريا بامتلاك مواهب متعددة، بالتركيز في مجال واحد، والالتزام به حتى لا تضيع قدراته هباء، ويعمل علم النفس التربوي عن طريق التوجيه المنهجي على جعل الأطفال يركزون في مجال محدد، حتى يتعلموه ويصبحوا مبدعين فيه.
محمد ولد محمد سالم