بعد الإنجازات الكبيرة التي طبعت أدب أمريكا اللاتينية من ألوان الواقعية السحرية، التي نشأت كمذهب أو تيار أدبي ازدهر خلال القرن العشرين، وبرز أكثر، وازدهر على يد روادها الكبار: بورخس وماركيز وميجيل أنجيل أستورياس، وانتقلت إلى كتاب آخرين مثل لورا اسكيفيل، وإيزابيل الليندي، وأليس هوفمن، وما قدمه هؤلاء من إبداعات أدبية أثرت المكتبات العالمية، برز جيل جديد كأنه يثور على هذه المدرسة، ويقدم رؤية جديدة بمسحة رمزية وواقعية، تغوص عميقاً في الإشكاليات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي تطبع عصر اليوم.. وتقدم منظوراً جديداً للأدب بنكهة مبتكرة خالصة.
لا بد من التذكير بأربعينات وخمسينات القرن العشرين، التي شهدت بحسب النقاد ثورة في عالم الواقعية السحرية كرد على التغيّرات الاجتماعية والسياسية في أوروبا، وما حمله عصر النهضة من وقوف ضدّ كلّ ما هو سحريّ وعجائبيّ باعتباره من مخلفات عصور الظلام، نشأت الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية كرد فعل لهذا الموقف، فقام كتابها بتطوير وعيهم الإبداعي وملاحقته.
انتقلت هذه المدرسة إلى كافة أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية، مستفيدة من الإسهامات الفعّالة للسريالية في ذلك الوقت، ثمّ عودة الأساطير إلى الأدب، وما أحدثته العديد من الحركات الأدبية من تطور في الفن الحديث.
بالطبع ازدهرت الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية؛ نظراً لغنى الثقافات الشعبية للمنطقة الجغرافية هناك، بكل ما هو سحري وأسطوري وعجائبي.
يرصد كثير من النقاد ملامح التجربة الجديدة في الكتابة اللاتينية، تحت عنوان كبير هو: «ما بعد ماركيز»، وهم يشيرون إلى عدة أسماء بدأت تملأ سماء الأدب بكثير من الدهشة والتميز، هي من دون شك، كتابة جديدة متمردة على ما سبقها، وخاصة الواقعية السحرية، لنجد أنفسنا أمام قائمة جديدة وأسماء ساطعة أخرى، مثل: ريكاردو بيجليا، وثيسر أريا، وروبيرتو بولانيو، وغابرييل باسكيث، وأندريس نيومان، وباتريثيو برون، وأليخاندرو ثامبرا، وسامنتا شوبلين، وقد وصفت كتابات هؤلاء بكتابة ما بعد الواقعية السحرية، وأبطالها شعراء وروائيون وقصاصون وكتاب سيناريو، برزوا بشكل واضح في سبعينات القرن الفائت، ولمعوا في ثمانينات وتسعينات القرن نفسه حتى اليوم، هؤلاء أصحاب مدرسة الما بعد السحرية الواقعية، تميزوا بتقديم نتاجات أدبية وسردية محملة بنكهة جديدة، تمزج بين الواقعي واليومي والسياسي والاجتماعي، والفانتازي، وربما يكون أقرب وصف لها مرتبطاً بالسيرة الأدبية المفتوحة على مصراعيها نحو عوالم، لم تكن مألوفة في خمسينات وستينات القرن الماضي.
جيل الانفجار
يشير الناقد د. طلعت شاهين إلى هذه الموجة من الكتابة الجديدة، بسؤاله عن مصير جيل «البوم» أو «الانفجار» الذي دشنه غابرييل ماركيز في «مئة عام من العزلة» وغيرها من القصص والروايات، وأيضاً ما كتبه المكسيكي كارلوس فوينتس، والأرجنتيني خوليو كورتاثار، وغيرها من الأعمال والأدباء الذين زرعوا في العالم ما أسمته الدراسات النقدية بعد ذلك باسم «الواقعية السحرية»، ليخلص إلى أن هذه الموجة بدأت تنحسر بظهور مجموعة من الكُتاب الجدد، الذين يمكن اعتبارهم جيلاً جديداً يغذي مرحلة جديدة تحل محل تلك التي قاربت على الخمود.
هؤلاء، دشنوا ما يعرف بسلطة النص الجديد، وهي سلطة إبداعية محضة، اختارت أن تخترق حواجز الكتابة المتعارف عليها، بمعزل عن سلطة الآباء المؤسسين، نحو مساحة أكثر رحابة من التجريب في شكل الرواية والقصة، على مستوى التكنيك والأسلوب.
سلعة ترويجية
بالنسبة للتشيلي ألبرتو بولانيو، الذي يعتبر من أبرز الكتاب المجددين في أمريكا اللاتينية، فإن خروجه على الواقعية السحرية، خاصة في مجموعته القصصية «مكالمات تلفونية» التي صدرت في عام 1997، يعتبر خروجاً متعمداً، حيث يرى أنها أصبحت بمنزلة سلعة ترويجية لدور النشر والنقاد على حد سواء. وفي سعي بولانيو لتحطيم صنم الواقعية السحرية، يبرز ككاتب طليعي يصطف إلى جانبه عدد من الكتاب الجدد ممن يطلق عليهم مسمى مؤسسي حركة «كراك»، وبينهم المكسيكي خورخي فولبي، وكريستينا ريبيرا غارثيا، وسانتياغو رونكاغليلو، وبيدرو أنجل وغيرهم، هذا الجيل الذي دشن خطاباً سردياً مغايراً يعتمد على تعدد الموضوعات، ودمج أكثر من تركيب سردي في النص نفسه، في سعي لتفتيت الموضوع الواحد نحو عوالم مختلفة ومتنوعة من السخرية والسيرة الذاتية والموضوع السياسي والاجتماعي، وإكساب النصوص مشهدية برؤية تأويلية وكونية مفتوحة على قراءات عدة.
في هذا المضمار، يبرز الكاتب المكسيكي خورخي فولبي، الذي يوصف بأنه صاحب مزاج متهور في الكتابة، وهو الكاتب الذي يقدم في أعماله مزيجاً سردياً يمزج بين الشعر والموسيقى والموتيفات الصوتية، فتشعر وأنت تتأمل نصه كأنك أمام كتلة نصية تحتاج لمن يملؤها، وهو يقدم شكلاً جديداً من السرد كما في روايته عن العراق «الحديقة الخربة» التي تمتلئ بالمآسي والفواجع، فينتقل بالقارئ من الفضاء الواقعي إلى الصوفي، وإلى الحكاية التي تقدم صمتاً أكثر من الكلام، كأنه يعيدنا إلى أجواء الشرق في خليط من الخراب والدم والدمار والانتقام غير المبرر.
نهج مغاير
في الإطار ذاته، يبرز الكاتب الأرجنتيني أندرياس نيومان الذي اختارته مجلة «جرانتا» أحد أهم وأبرز الأصوات السردية الشابة في إسبانيا وأمريكا اللاتينية، واختاره مهرجان «بوجوتا 39» من ضمن أبرز الكُتّاب الشباب تحت الأربعين. وفاز بالعديد من الجوائز المرموقة.
ففي روايته «يتحدثون مع أنفسهم»، و«الحياة في النوافذ» و «الأرجنتين كان يا ما كان»، وهذه الأخيرة من ترجمة الدكتور علي المنوفي، يأخذنا الكاتب نحو عوالم سردية تبدأ واقعية، مستعرضاً من خلالها تاريخ أسرته، وما واجهه من صعوبات حياتية، وقد حرص هو على تقديم روايته بقوله: «تظهر الشخوص الواقعية كافة في هذه الرواية من منظور إبداعي.
كما أن كل الإضافات الموجودة فيها تستهدف أن تبدو ممكنة الحدوث». وأندرياس يكتب الشعر والقصة والسيناريو، وهو يرى «أن الكتابة عبارة عن عملية مقاومة، حتى تظل الأبواب مفتوحة، وتمثل عنده أعلى أشكال السعادة، على الرغم من أنها قد تعبر عن الآلام والوحدة والخوف».