يكتب الشاعر السعودي محمد الدميني كما لو يصفي الندى من الوردة، أو كمن.. يحنو على الغيوم.. بخفة، وأناقة، ورقة شاعر أقرب إلى طبيعة الموسيقى أو صانع العطر.
في العام 1982 عملت في صحيفة «اليوم» الصادرة في الدمام في المنطقة الشرقية في السعودية برفقة محمد الدميني المملوء بالهدوء والوسامة، وتلك الحنطية الجنوبية المستعارة من مدينة أبها.. حيث الجبال والغيوم التي يولد منها الشعر، وبعد سنوات طويلة، يحمل البريد كتاباً صغيراً بعنوان «سنابل في منحدر»، وأقرأ للصديق القديم قصيدة بعنوان «الورد النائم في السلال».. «..احمل سلالك يا ابن أمي.. ورمم أنثاك الجميلة.. لقد نام الورد في السلال.. واتكأ الحائط على بهجة الغسق.. فلا ورد لا مساء.. لا خزائن..».
حملت الثمانينات في مطالعها وجوه أجمل الشعراء السعوديين: محمد الدميني، علي الدميني، محمد عبيد الحربي، محمد العلي، وكان عبد العزيز مشري القاص والروائي ذا هوى شعري وموسيقي عندما كان يحضن العود إلى صدره، وَيُنْطقُ الأوتار بأصابع نحيلة.
ورد المساءات والصباحات في الدمام قبل ثلاثين عاماً كان أكاليل صغيرة في الشرفات وفي الكتب بالقراءة والصداقات.. حيث النحيل مثل قصيدة نثر عبد الرؤوف الغزال، والنحيل الآخر مثل وتر كمنجة مطلق العنزي، وإلى جانبهما الأصدقاء النبلاء: خليل الفزيع، وعتيق الخماس، أما الملاك الأبيض فكان صالح العزاز الذي حول الكاميرا إلى سلة أقلام ملونة، وأعطى الصورة الفوتوغرافية طبيعة الوثيقة الجمالية.
كان صالح العزاز الذي ما كان يحل في مكان إلا ويمتلئ بالجمال الآدمي الباهر يلتقط صوراً للنباتات والأعشاب والزهور المنتشرة في صحراء السعودية وفي حين كان ورد محمد الدميني نائماً في السلال.. كان ورد صالح العزاز يتثاءب في الصباح، وقد استيقظ من النوم.
كانت، أيضاً، للشاعر المصري أمل دنقل سلال من الورد، وكان حينها على سرير المرض: كل شيء أبيض، الملاءات بيضاء، الأسرة بيضاء، ووجه الممرضة أبيض ثم.. «..وَسِلال من الورد.. ألمحُها بين إغفاءة وإفاقة.. وعلى كل باقة.. اسم حاملها في بطاقة..».
وأخيراً يذهلك أمل دنقل بهذه المفارقة الحارة عندما يختم قصيدة «زهور» بهذا المقطع «كل باقة.. بين إغماءة وإفاقة.. تتنفس مثليَ - بالكاد - ثانية ثانية.. وعلى صدرها حملت راضية..اسم قاتلها في بطاقة..».
إذا كان من يقطف الوردة هو قاتلها، فإن الزهور أيضاً قاتلة في حكاية تلك المرأة التي ملأت غرفة نومها بالزهور، وأغلقت الباب والنوافذ بإحكام، ثم تمددت على سريرها، ونامت نومها الأخير.
امتص الورد كل أكسجين هواء الغرفة، فكان النوم الأبدي الناعم.. على سرير من خشب الأبنوس في غرفة مغلقة.. ولا ورد، لا مساء، لا خزائن..
..ألا توضع الزهور فوق القبور.. كما توضع أيضاً في باقات العرس؟
الورد القاتل
22 يناير 2018 03:38 صباحًا
|
آخر تحديث:
22 يناير 03:38 2018
شارك
يوسف أبو لوز