الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

قرن الرّيح.. فن الديكتاتورية

12 مايو 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 12 مايو 00:08 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
كتب إدواردو غاليانو تاريخ أمريكا اللاتينية على شكل حكايات وقصص صغيرة ومشاهدات أشبه بلقطات سينمائية متنقّلة، وذلك كلّه في الجزء الثالث من كتابه «ذاكرة النار»، وجاء هذا الجزء بعنوان «قرن الريح» وهو القرن العشرون، قرن الحربين العالميّتين، وقرن القنبلة الذرية، وسلسلة الثورات، والثورات المضادّة، والاغتيالات الحرفية من كاتم الصوت، إلى الاختطاف، ثم التصفية تحت جُنح الظلام أو جُنح النهار لا فرق.
من القرن العشرين، اخترت أن أعود إلى قراءة ما كتبه غاليانو عن فترة السبعينات، وتحديداً محاولات الاستخبارات المركزية الأمريكية لاغتيال فيدل كاسترو، يقول: «جرّبوا البازوكا وبنادق مزوّدة بمنظار، قنبلة وزنها 30 كيلوغراماً كان على أحد العملاء أن يزرعها في مجرور تحت منصّة يتحدث عليها كاسترو، جرّبوا السيجار المسموم، صنعوا سيجار هافانا خاصّاً لفيدل من المفترض أن يقتل حالما يلمس الشفتين. وإذا لم يستطيعوا قتله كانوا يأملون أن يقتلوا، على الأقل، هيبته ومن أجل ذلك أيضاً حاولوا أن يَرشُّوا على مكبر الصوت بودرة تُحرّض، في منتصف الكلام، على التفوّه بكلام هراء، ثم كرصاصة رحمة حضّروا مُزيلاً للشعر ليجعلوا لحيته تسقط».
بهذه الطريقة السردية الحكائية، كتب إدواردو غاليانو تاريخ كوبا، وتشيلي، والأوروغواي، وغيرها من جغرافيات الكاريبي، حيث العنف، والقليل من الرحمة، وحيث الشعر أيضاً الذي كان شاهداً على التاريخ.
اقرأ النصّ التالي حول الاعتداء على منزل بابلو نيرودا (1973 - سانتياغو). يكتب غاليانو (وسط الدمار، في منزل تحوّل أيضاً إلى أشلاء، كان نيرودا يستلقي ميّتاً من السرطان، ميّتاً من الأسى، لم يكن موته كافياً، رغم أن نيرودا رجل حيّ بعناد، وهكذا يجب أن يقتل العسكر أشياءه، سحقوا سريره وطاولته، انتزعوا أحشاء فرشته وحرقوا كتبه، سحقوا مصابيحه وزجاجاته الملوّنة، آنيته ولوحاته وأصدافه، انتزعوا بندول وعقارب ساعته الجدارية، وبحربة اقتلعوا عين زوجته في الصورة».
حتى الطيور لها تاريخ في «قرن الرّيح»، هذا طائر يُسَمّى طائر «الكَتْزَل» يعيش في غواتيمالا، «كان طائر الكتزل دائماً متعة الجوّ في غواتيمالا. استمر الأكثر تألقاً بين الطيور رمزاً لهذه البلاد، رغم أنه من النادر أن يُشاهد الآن في الغابات المرتفعة حيث ازدهر مرة، كانت طيور الكتزل تموت فيما العُقْبان تتكاثر، كان العُقاب الذي يمتلك أنفاً جيداً يشم الموت من بعيد يكمل عمل الجيش، ويتبع الجلّادين من قرية إلى أخرى دائراً بلهفة». (ترجمة: أسامة أسبر).
ينتهي «قرن الريح» في التاريخ الذي كتبه غاليانو بهذه الطريقة عند عام 1984، هناك ستة عشر عاماً، إذاً، لم تدخل إلى ذاكرة النار.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة