يوسف أبو لوز

تحتفي دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي بالشاعر محمود درويش على مدار العام 2018. والدائرة تحتفي به أيضاً شخصية العام في موسوعة أبوظبي الشعرية، وخلال هذا العام تنظم الدائرة سلسلة من الأنشطة الثقافية تتصل بشخصية وشعرية صاحب «الجدارية».. العلامة الأبرز في الشعر العربي الحديث.
مبادرة دائرة الثقافة والسياحة تحمل معنى التكريم لمحمود درويش الذي عاش للشعر، وجعل منه وطناً آخر يتماهى مع فلسطين ومع العالم. والمبادرة الكريمة النبيلة من جانب الدائرة هي أيضاً استعادة ثقافية لشاعر «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، ومن قلب الأرض.. أرض بلاده وأرض العالم بنى دولة حدودها الشعر، وشعبها الشعراء والأطفال والفلاسفة والموسيقيون والعشّاق.
كان الشعر وحده خيار محمود درويش وحياته ووجوده، وهو عندما وجد نفسه في الإطار الرسمي أو شبه الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية قفز سريعاً من هذا الإطار ليعانق الريح ويعانق نفسه أو ذاته أولاً وأخيراً من دون أن يكون رهينة لأي إملاءات غير إملاء الشعر.
شاعر مستقل بكل معنى الكلمة.. وضع دائماً مسافة بينه وبين السلطة، وأكثر من ذلك، وضع مسافة بينه وبين ما هو يومي من علاقات أو اجتماعيات عامة، وهو من أكثر الشعراء صدقاً مع نفسه في ما يتعلق بحياته الشخصية، وأقصد بذلك الزواج والعائلة، فقد عرف منذ بداية حياته أن الشعر هو خياره الوحيد، وبذلك، بقي على الضفة الأخرى البعيدة عن استحقاقات الأبناء.. فلم ينجب، وخرج سريعاً من مؤسسة الزواج.
يمتلك محمود درويش كاريزما مدهشة خاصة به أو هي خصيصته، يقرأ شعره على المنبر بغنائية وإلقائية أنيقة مدهشة، ويعرف جيداً ما يجب عليه أن يقرأه وما يجب أن لا يقرأه، وهكذا، وعندما طالبه الجمهور في إحدى أمسياته بأن يقرأ قصيدته «سَجّل أنا عربي» رفض القراءة، بل، إنه في ما بعد صرح بأنه كان يأمل أن يشطب خمسين في المئة من شعره.
مرّ محمود درويش في عدد من المدن، وكل مدينة طبعت شعره بملامح مختلفة:.. عند خروجه من فلسطين ومن قريته البروة تحديداً كان إيقاعه وصداه سجل أنا عربي، وأحنّ إلى خبز أمّي، وفي القاهرة كان سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا، وفي بيروت كان مديح الظل العالي، وفي تونس: لماذا تركت الحصان وحيداً، وفي باريس محاولة رقم 7، وأخيراً في العاصمة الأردنية عمّان كانت الجدارية أو ما بعدها من نصوص هي، مرة ثانية، حياة وخيار درويش.
في العام 1974 قرأ شاعر الكرمل وشاعر العالم في الإمارات، وقرأ في القاهرة، وبيروت، وتونس، وبغداد، ودمشق، والرباط وعمان.. وكان يحيط به شعبه العربي في كل قراءة، وعندما رَحَلَ «حاضراً في الغياب» كانت جنازته في رام الله أشبه ببحيرة من الدموع.
شكراً لدائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي أن بَنَتْ سياجاً من الياسمين حول تلك البحيرة..

[email protected]