. . " . . كان لي في صباي حصانان مكتهلان، عصا جدتي ثم ظهر الهلال . ." . هكذا، يعتقد القرويون أن ظهر الهلال هو ظهر محدودب للحصان، وهكذا، خيال القروي يرتفع إلى فوق دائماً، إنه دائم التطلع في وجه السماء، ليطمئن إلى حقوله وزروعه إذا رأى وفرةً في الغيوم، فكلما كثرت الغيوم وأصبحت عميقة وداكنة فهذه بشارة المطر . كل غيمة حبلى بالماء، وكل غيمة هي بركة وخير .
رأى هارون الرشيد غمامة بعيدة في وجه السماء، فقال: "أيتها الغمامة امطري حيث شئت فإن خراجك عائد إليّ" والرشيد يقصد أن دولته مترامية الأطراف، ومهما ابتعدت الغيوم فإنها ستمطر على بلاده، وتلك من بلاغات الملوك والأمراء، أما بلاغة القروي فتظل في قلبه . إنه يحلم بالمطر مهما يكن قليلاً وعابراً . القرويون حالمون كبار . وجوههم معلقة بالغيوم والنجوم والهلال، لذلك تراهم يقولون الشعر بالسليقة . لا يعرف القروي أوزان الخليل بن أحمد الفراهيدي لكنه يوقع بأصابعه على جذع شجرة فيأتي إيقاعه منساباً مثل انسياب الماء . كل شيء يربطه القروي بالماء . هو نفسه مصنوع من الماء والغيوم .
ولكن ماذا لو حمل هذا الرجل المائي متاعه على حصانه وتوجه إلى المدينة، وفيها نزل وعاش؟
حتى في المدينة أو حتى في أطراف المدينة وضواحيها الهادئة يحمل الرجل المائي قريته في عينيه . وحتى في المدينة تبقى معاييره قروية أو ريفية .
جاء الشاعر المصري أمل دنقل من الأرياف إلى القاهرة . وظل ريفياً وجنوبياً وصافي القلب . الشاعر علي الجندي جاء أيضاً من الريف السوري إلى دمشق وظل هو هو . . علي الجندي ابن الحياة والبساطة والهلال والأغنية البيضاء . والشعراء الجنوبيون الذي جاؤوا إلى بيروت ظلوا شعراء جنوبيين، هكذا يقبض الإنسان "البرّي" على كينونته وهويته العفوية الأولى . فهل هي، إذاً، الروح البرية تلك التي تحفظ ملح الإنسان الترابي والمائي، وتحفظ له طفولته التي لا تكبر، ولا تتقدم في العمر .
إلى اليوم، ذلك الطفل المائي أيضاً، حتى وهو في الخمسين مازال يعتقد أنه يلعب مع حصانه الهلالي، حصان يولد مرة في رأس الشهر ويكتمل في وسطه ويذوب في سديم الغيوم في آخره .
تلك مرايا الريف، وتلك حاجة الإنسان التلقائية إلى كل ما هو مولود من الماء، وكل ما هو مغسول بالماء . طاهر ونقي وأبيض مثل غزال أشقر يصهل على مشارف المدينة .
رأى هارون الرشيد غمامة بعيدة في وجه السماء، فقال: "أيتها الغمامة امطري حيث شئت فإن خراجك عائد إليّ" والرشيد يقصد أن دولته مترامية الأطراف، ومهما ابتعدت الغيوم فإنها ستمطر على بلاده، وتلك من بلاغات الملوك والأمراء، أما بلاغة القروي فتظل في قلبه . إنه يحلم بالمطر مهما يكن قليلاً وعابراً . القرويون حالمون كبار . وجوههم معلقة بالغيوم والنجوم والهلال، لذلك تراهم يقولون الشعر بالسليقة . لا يعرف القروي أوزان الخليل بن أحمد الفراهيدي لكنه يوقع بأصابعه على جذع شجرة فيأتي إيقاعه منساباً مثل انسياب الماء . كل شيء يربطه القروي بالماء . هو نفسه مصنوع من الماء والغيوم .
ولكن ماذا لو حمل هذا الرجل المائي متاعه على حصانه وتوجه إلى المدينة، وفيها نزل وعاش؟
حتى في المدينة أو حتى في أطراف المدينة وضواحيها الهادئة يحمل الرجل المائي قريته في عينيه . وحتى في المدينة تبقى معاييره قروية أو ريفية .
جاء الشاعر المصري أمل دنقل من الأرياف إلى القاهرة . وظل ريفياً وجنوبياً وصافي القلب . الشاعر علي الجندي جاء أيضاً من الريف السوري إلى دمشق وظل هو هو . . علي الجندي ابن الحياة والبساطة والهلال والأغنية البيضاء . والشعراء الجنوبيون الذي جاؤوا إلى بيروت ظلوا شعراء جنوبيين، هكذا يقبض الإنسان "البرّي" على كينونته وهويته العفوية الأولى . فهل هي، إذاً، الروح البرية تلك التي تحفظ ملح الإنسان الترابي والمائي، وتحفظ له طفولته التي لا تكبر، ولا تتقدم في العمر .
إلى اليوم، ذلك الطفل المائي أيضاً، حتى وهو في الخمسين مازال يعتقد أنه يلعب مع حصانه الهلالي، حصان يولد مرة في رأس الشهر ويكتمل في وسطه ويذوب في سديم الغيوم في آخره .
تلك مرايا الريف، وتلك حاجة الإنسان التلقائية إلى كل ما هو مولود من الماء، وكل ما هو مغسول بالماء . طاهر ونقي وأبيض مثل غزال أشقر يصهل على مشارف المدينة .
يوسف أبولوز
[email protected]