أردوغان يخسر المدن

05:38 صباحا
قراءة دقيقتين

د. حسن مدن

لم تؤد نتائج الانتخابات المحلية في تركيا إلى إزاحة حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان عن صدارة المشهد السياسي، ولكنها بالتأكيد ألحقت به ضربة قوية، مهمة في أبعادها وتداعياتها اللاحقة.

الحق أن الصورة التي حرص أردوغان على تقديم نفسه بها إلى الأتراك كزعيم قوي بدون منازع، أخذت في الاهتزار، حتى قبل الانتخابات المحلية التي جرت قبل يومين، حيث تنامى القلق شعبياً من نزوعه إلى الانفراد بالسلطة.

جرت الانتخابات المحلية الأخيرة في ظروف تدهور في الأوضاع الاقتصادية في تركيا، التي تواجه ما توصف بحال ركود مع ارتفاع التضخم إلى 20 في المئة وهبوط سعر صرف الليرة التركية بواقع الثلث، وهو ما أدى إلى حالات إفلاس.

ووفق استطلاعات للآراء أجرته شبكة «بي. بي. سي»، ووكالة «فرانس برس»، لوحظ أن استياء الناخبين بلغ حد المجاهرة بالرغبة في معاقبة أردوغان وحزب العدالة والتنمية في الانتخابات، وقال بعضهم إن البلاد «لم تشهد ركوداً اقتصادياً مثل هذا من قبل». وقال ناخب في أنقرة لوكالة «رويترز»: «كنت قررت ألا أدلي بصوتي اليوم، ولكن عندما شهدت مدى إخفاق حزب العدالة والتنمية، فكرت أنه ربما حان الوقت لهزيمتهم».

ورغم الضغوط التي مارستها الحكومة للتأثير في فرص فوز معارضين، ومن ذلك تحذيرها من أن أي مرشح يثبت دعمه لجماعات إرهابية سوف يُستبعد من الانتخابات، وهو تحذير واضح لحزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، إلا أن المعارضة تمكنت، رغم ذلك، من إحراز تقدم مهم.

أياً كانت النتائج النهائية التي ستعلن للانتخابات، فإنها لن تطمس حقيقة أن المعارضة حققت تقدماً لا يمكن التمويه عليها في المدن الرئيسية، خاصة في أنقرة وإسطنبول، أكبر مدينتين في البلاد، وهو ما يصيب مكانة ونفوذ حزب العدالة والتنمية بخسارة ذات مغزى كبير، تطال من الفلسفة الاجتماعية والسياسية التي حكم بها البلاد خلال ستة عشر عاماً على الأقل.

ثابت أن نفوذ «العدالة والتنمية» في المناطق النائية والأرياف أقوى من نفوذ خصومه، لأن التأثير على الناخبين بالخطاب الديني الملتبس الذي ترفعه الجماعات الإسلاموية أقوى، ولكن أردوغان بتبينه لبعض توجهات النيوليبرالية استطاع أن ينال رضا شرائح من الطبقات الوسطى والبرجوازية المدينية، التي حصدت حصتها من ذلك النهج، ولكنها سرعان ما ضاقت ذرعاً بالخطاب الشعبوي المتشنج لزعيم الحزب، وتنامي طموحاته الإقليمية ما أدخل البلاد في مأزق اقتصادي نالتها آثاره بسرعة، فعادت من جديد تبحث عن بديل أكثر اتساقاً مع تكوينها كفئات حديثة متفتحة.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"