صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
حسن مدن
كاتب
أحدث مقالات حسن مدن
8 مايو 2026
خليجنا عربي

آخر الكلام

تعود عروبة الخليج العربي إلى قرونٍ غابرة، وليس بوسع مزاعم قادة إيران أن تغيّر من حقائق التاريخ والجغرافيا حول هويته، فقربه لبلاد فارس لا يجعل منه فارسياً، بصرف النظر عن التسميات في بعض الخرائط، بحسب اللغة والجهة المنتجة للخريطة. بلدان الخليج عربية اللسان، وثقافتها كذلك عربية، وفنونها وعادات أهلها المتوارثة، وقبل هذا وبعده، فإن الجغرافيا نفسها تمنح الخليج طابعه العربي، فعليه تطل الإمارات وعمان والكويت وقطر والسعودية، وتحيط مياهه بالبحرين من جهاتها الأربع، كما يطلّ على أجزاء من العراق، لذلك أطلق عليه العثمانيون «خليج البصرة»، وفي نصوص عربية قديمة أطلق عليه اسم «بحر العرب».

سعى مؤرخون مرموقون لإبراز عروبة الخليج، عبر التقصي الدقيق، كما فعل المؤرخ جواد علي (1907 - 1987) في موسوعته الشهيرة «المُفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، ليؤكد أن شرق الجزيرة العربية، بما فيه البحرين التاريخية وعُمان والأحساء، كان موطناً لقبائل عربية مستقرة وفاعلة قبل الإسلام، بينها بكر بن وائل وعبد القيس وتميم، مبيناً أوجه حضورها المتعددة في المنطقة.

وعلى خلاف ما يروّج، فهذه المناطق، وفق جواد علي، لم تكن هامشاً صحراوياً معزولاً، بل كانت جزءاً من شبكات التجارة البحرية والبرية التي ربطت الجزيرة العربية بالعراق والهند وفارس، ولم يبدّل هذا الاتصال التجاري الطبيعة العربية للسكان، بل جعل المنطقة أكثر انفتاحاً وتنوّعاً مع بقاء البنية المجتمعية واللسانية عربية.

مثل جواد علي رأى المؤرخ عبد العزيز الدوري (1919 - 2008)، في كتابه «مقدّمة في تاريخ صدر الإسلام»، تاريخ منطقة الخليج ضمن سياقه الأوسع، تاريخ الجزيرة العربية والعراق والعالم الإسلامي المبكر، باعتباره ممراً حيوياً للتجارة والهجرات العربية، لم يكن يوماً منطقة منفصلة حضارياً عن محيطه العربي.

لا يقتصر الأمر على المؤرخين المعاصرين، فحتى القدامى منهم أيضاً رأوا الرأي نفسه، فقد ورد ذكر البحرين وعُمان واليمامة في مؤلفات مثل «فتوح البلدان» لأحمد بن يحيى البلاذري و«تاريخ الرسل والملوك» لمحمد بن جرير الطبري باعتبارها أقاليم مرتبطة بالعرب وقبائلهم وتحولاتهم السياسية في الجاهلية والإسلام.

كان الخليج ولا يزال منطقة تواصل وتبادل، لكن جذره الاجتماعي والثقافي بقي عربياً، لغةً وتاريخاً وجغرافيا وثقافةً، كون الثقافة فيه رافداً من روافد الثقافة العربية عبر التاريخ، ومن ينابيعها الثريّة تشكّل وعي أهله ومعارفهم.

1 مايو 2026
الأكثر إصغاء

ربما يبدو صحيحاً القول إن النساء في مجتمعاتنا أكثر ميلاً إلى الإصغاء مقارنة بالرجال، بحكم التربية الاجتماعية التي اعتادتها بيئتنا الأميَل إلى منح الرجال «سلطات» أكبر، بما فيها سلطة الكلام، لكن يظهر أن هذه ليست سمة المجتمعات الشرقية وحدها. ها هي دراسة من بلد أوروبي متطوّر، هو ألمانيا، نشر موقع «دي. دبليو» تقريراً عنها، تشير إلى أن أعضاء البرلمان الرجال في ولاية بادن- فورتمبرغ، حيث تلقى يومياً عشرات الخطابات، يبدون إصغاء أقل عندما تكون المتحدثة امرأة، وعلى العكس تظهر عضوات البرلمان النساء استعداداً أكبر للإصغاء إلى زملائهن الرجال، فلا يتحدد «مقدار الإصغاء بمحتوى الخطاب أو توقيته فقط، بل يتأثر أيضاً بجنس المتحدث»، وعلى الرغم من أن الدراسة اقتصرت على ولاية واحدة، لكنها قد تقدّم مؤشراً على حالٍ عامة هناك.

سيكون تبسيطاً التسليم بأن الإصغاء صفة نسائية خالصة، وأن الرجال عاجزون عنه، فمن باب نبذ التعميم وجب القول: ليس كل النساء مُنصتات جيّدات، وليس كل الرجال أقلّ قدرة على الإصغاء، لكن المجتمعات صنعت، عبر قرون، توزيعاً غير متكافئ لهذه المهارة، بتشجيع النساء أكثر على الإصغاء. وبعيداً عن التقسيم الجندري بين النساء والرجال، فإن الإصغاء الحقيقي فعل أكثر تعقيداً، يعني أن نمنح الآخر وقتاً وانتباهاً، ييسّران لكلماته أن تعبر إلينا قبل أن نحاكمها. إنه مهارة تُكتسب، وتُهذّب بالممارسة والوعي، وفضيلة إنسانية قابلة للتعلّم والتطوير لدى الجميع، ولأن أغلبية الناس يريدون أن يتكلموا، يكاد الإصغاء أن يُغيّب، فلا بأس لو استعدنا النصيحة المنسوبة إلى الشاعر المهجري إيليا أبوماضي القائلة: «إن بعض القول فنٌ...فاجعل الإصغاء فنا»، وانتبهوا إلى أنه قال: «بعض القول»، وليس كله.

الإصغاء المنشود لا يكون إلى من يجاورونا في الحياة فقط، وإنما إلى ذواتنا أيضاً، ففي ذات كل منّا يوجد شخص آخر. حين نفكّر، فإننا نحاور هذا الآخر داخلنا، الذي قد يمنحنا دفعة من الحماس، أو حتى التهوّر، وقد يحدّ من جموحنا واندفاعة خطانا.

إصغاؤنا إلى ذواتنا يشبه وقفات «سدرهارتا» بطل هرمان هيتسه في الرواية التي تحمل الاسم نفسه، أمام ذاته، ما جعله رقيباً يقظاً عليها، ليلاحظ أنه في غفلة من الزمن ربما عاش الحياة من دون أن ينتمي إليها، وأكثر من ذلك يُذكّرنا الإصغاء بحكمة يابانية تقول: «من يُرهف السمع يسمع أصواتاً لا صوت لها».

24 أبريل 2026
غائبون عن الصور.. حاضرون في الذاكرة

أحسبني أتيتُ مرةً على ملاحظة قالها زميل لي في فترة الدراسة الجامعية فحواها أنه عندما يعود أي شخص منا إلى صور قديمة تجمعه وآخرين، فإن عينيه تذهبان، أول ما تذهبان، إلى رؤية كيف بدا هو في تلك الصورة، قبل أن تتوجه إلى من جمعته وإياهم. وأحسب أن ملاحظة هذا الزميل صحيحة، وإن حرنا في تأويل ذلك، أهي درجة من الذاتية تجعلنا مهتمين برؤية أنفسنا قبل الآخرين، أم هو مجرد فضول لرؤية كيف كنا وكيف أصبحنا، خاصة عندما يبعد الزمن عن لحظة التقاط تلك الصورة أو الصور.

وغالباً ما نتحدث عمّن ظهروا في الصورة، ولكن ماذا عمّن التقطوها، ووثقوا تلك اللحظة، التي كان يمكن أن تنسى، كأنها لم تكن، لولا تلك الصورة؟ والحديث هنا لا يدور بالضرورة عن الصور الجماعية، وإنما أيضاً عن صور لنا وحدنا.

سؤال انبثق في ذهني بعد مطالعة نصّ جميل للشاعر المصري سامح قاسم نشره على صفحته في «فيسبوك»، ممتناً لمن أرشدني إليه، وفيه يقول: «لا أحبّ الصور/ لأنها لا تقول الحقيقة/ لكنني أحبّ تلك اللحظة/ التي تسبقها/ حين تقولين: لا تتحرك/ وأحاول/ لأول مرة/ أن أبقى/ حين تقتربين قليلاً/ وأرتب وجهي/ كأنني أرتب قلبي/ ولا أعرف/ لماذا أبدو وسيماً/ في صوركِ/ ربما/ لأنكِ لا تلتقطين وجهي/ ربما/ لأنكِ تلتقطين الشيء الذي أحاول أن أخفيه/ ذلك الشيء/ الذي لا يظهر/ إلا عندما/ أكون معكِ فقط».

مهما قلنا لن نجاري بلاغة الشاعر في وصف تلك الحال، وهو من حيث أراد أم لم يرد حثّنا على التفكير لا في الصور نفسها فقط التي نحتفظ بها وتظهر لنا بين الحين والآخر من مخزون الذاكرة في هواتفنا، أو مما احتفظت به ذاكرتنا نفسها عن اللحظات التي التقطت فيها الصور موضوع الحديث، وإنما في الغائبين عن الصور، للسبب المهم إياه، فهم، لحظتها، كانوا من يلتقطها، وكأنه يحثنا أيضاً على القول لهم، إنكم الحاضر الأكبر حتى لو غبتم عن الصور الماثلة أمام أعيننا ونحن نعيد التحديق فيها، ليس لأننا مأخوذون بمظهرنا فيها، وإنما لأنها تأخذنا إلى الزمان والمكان اللذين جمعانا بكم، وأنتم تلتقطون لنا الصور الناطقة بالذكرى، أو الموقظة لها إن غفت.

17 أبريل 2026
نسخ من «خوسيه»

من ذاكرة «فيسبوك» طالعني مقتطف عذب نشرتهُ قبل أحد عشر عاماً، ذيلته باسم شاعر من المكسيك يدعى خوسيه مانويل، وأنا أعيد قراءة المقتطف انتابني فضول للبحث عن معلومات عن الشاعر الذي راقت لي عبارته.
قل لنا يا «غوغل» من هو؟ فانهالت قائمة أسماء خوسيه مانويل، وبنظرةٍ سريعة وجدت أن غالبيتهم ليسوا شعراء، ولأن السياسة تتصدر عناوين البحث، فإن أول من صادفني اسمه، هو وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس بوينو.
فضاء الشعر يكاد يكون نقيضاً لفضاء السياسة. تجاوزته بحثاً عن ضالتي، فطالعني خوسيه مانويل آخر، مدرب كرة القدم الإرجنتيني خوسيه مانويل مورينو، مع تعريف يقول إنه كان بين أفضل 25 لاعباً في العالم في القرن الـ 20 وبين الخمسة الأفضل في أمريكا الجنوبية.
أيكون فضاء كرة القدم، هو الآخر، نقيضاً لفضاء الشعر؟ لم أجزم بنعم، ربما لأني تذكرت ما قاله الشاعر يفغيني يفتوشينكو في سيرته الذاتية المعنونة «العمق الرمادي»: «بالليل أكتب الشعر وفي النهار ألعب كرة القدم»، مضيفاً أن متعة خداع عدة خصوم بمراوغات غير متوقعة، ثم تسجيل إصابة مفاجئة في الشباك كانت بالنسبة له متعة شعرية حقيقية.
رغم ذلك، ليس هذا خوسيه مانويل الشاعر الذي أبحث عنه، ورغم أني عثرت على اسم شاعر ومترجم مكسيكي يشبه اسمه، هو خوسيه إميليو باتشيكو بيرني، لكن ما ورد من معلومات لا يدل على أنه قائل المقتطف الذي أحببته، ولما يأست من أن يقودني محرك البحث بالعربية إلى غايتي، كتبت إلى الصديقة فائزة مصطفى الشغوفة باللغة الإسبانية، شاكياً لها تشابه الأسماء، فكان أول ما أفادتني به هو أن خوسيه مانويل اسم مركب، ففي المكسيك لا يكفي أن نقول خوسيه وحدها، بل يجب أن يعقبها اسم آخر لصيق بها: خوسيه ميغيل، خوسيه ارماندو وهكذا، وهذا ما يفسر كثرة خوسيه مانويل الذين صادفوني.
أعرف فضولكم إلى معرفة العبارة التي سببت كل هذه «الجلبة». هاكم إياها إذن: «أنْ تقرأ كتاباً، أن تستمع إلى كونشيرتو، أن تتأمل لوحة، فكلها أشكال فورية وفعالة للدفاع عن أنفسنا من كل ما يُهيننا أو يسعى إلى أن ينقص من اختياراتنا للحُرية والطمأنينة».
وبشيء من التشاور مع الأستاذة فائزة رجّحنا، ولم نجزم، أن قائلها هو المكسيكي خوسيه مانويل بنتادو المولود في عام 1948.

10 أبريل 2026
الحرب في عين الشعر

في أجواء الحرب التي عاشتها منطقتنا خلال الأسابيع الماضية، طالعني نصّان لشاعرتين خليجيتين: عائشة الكعبي من الإمارات وبتول حميد من البحرين، يظهران رهافة الشعر إزاء قسوة الحرب ورعبها، فيغدو الشعر بمثابة سلوى من مصيرٍ نجهله يثير في النفوس القلق والخوف، ويصادر الطمأنينة.
في نصّها «حديقة سريّة» تقول عائشة الكعبي: «حين تمطر السماء دوياً/ أعزف معك/ هديل حمامةٍ عاشقة/ تلقي بثقل صدرها كلّه/ على غصنٍ رصين/ يعرف كيف يعانق حمامته/ في هدوءٍ تام/ لا يخدشه طنين مُسيّرة/ ولا انفلات صاروخ!». فيما تقف بتول حميد في أحد نصوصها القصيرة المعنونة «أغان مكسورة» على المفارقات الناشئة عن الحرب، فتجعل لما اعتدناه وأحببناه وظائف أخرى نقيضة: «في الحرب يتحوّل المقال إلى بلدوزر/ الطائرة إلى أداة قتل/ المواعيد إلى تكّات قلق».
لو استثنينا تجربة الكويت المؤلمة مع احتلال القوات العراقية لها في عهد صدّام حسين، وما تلاه من حرب إخراج القوت الغازية، فإن تجربة الحرب التي عاشتها بلداننا نحو أربعين يوماً متواصلة مؤخراً، هي الأولى من نوعها في عصرنا الحديث. لم تتوقف فيها أصوات الصواريخ والمسيّرات والمضادات ليلاً ونهاراً، موقعة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في مرافق حيوية، لكن ذاكرة شعوب كثيرة، بما فيها شعوب عربية، مثقلة بالحروب وأوجاعها، ومن الطبيعي أن نجد تجليات لذلك في نصوصٍ لقامات شعرية عاصرت تلك الحروب، وذاقت مراراتها.
عن إحدى الحروب على غزة قال محمود درويش: «إذا سألوك عن غزة.. قل لهم بها شهيد، يُسعفه شهيد، ويُصوّره شهيد، ويُودعه شهيد، ويُصلي عليه شهيد». وتتحول القصيدة عند الشاعر التشيلي بابلو نيرودا وهو يتناول الحرب إلى شهادة على الانتهاك وفعل محاسبة: «تعالوا وانظروا الدم في الشوارع». يخرج الشاعر من الذات إلى العالم، ليرى الحرب صدمة أخلاقية مستمرة، لا مجرد نزاع سياسي.
ورغم أن الشاعر الروسي فلاديمير مايكوفسكي كتب من قلب الثورة، لكن ذلك لم يحمله على تجاهل حقيقة أن الحرب تلتهم الإنسان اليومي، كما يتبدى ذلك في أبياته القائلة: «أيتها الحرب/ لماذا تسرقين من الأرض/ وجوه الفلاحين البسيطة؟». أما عند الشاعر التركي ناظم حكمت فإن الحرب خيانة للأحلام الإنسانية، ضحاياها الحقيقيون الأطفال والأجيال القادمة: «أجمل البحار/ هي التي لم نذهب إليها بعد/ وأجمل الأطفال لم يكبروا بعد/ فلماذا تقتلهم الحرب؟».

3 أبريل 2026
الكتابة في زمن الحرب

ربما الأدقّ القول: «الكتابة عن الحرب»، فليس كلّ ما كُتب عنها كُتب ورحاها تدور، فبعضها جاء بعد مرور فاصل زمني بينها والكتابة عنها، كما فعل تولستوي في «الحرب والسلام»، التي تناول فيها أحوال وطنه روسيا فترة غزو نابليون لها، حتى أنه أنفق نحو ست سنوات في كتابتها (1863 – 1869) كتب خلالها عدة مسودات من الرواية، حتى انتهى إلى صيغتها النهائية، ويقال إن زوجته صوفيا أعادت نسخها يدوياً عدة مرات، منتجة نسخاً واضحة ليتمكن من مراجعتها مراراً.
شكا تولستوي من ندرة الوثائق والمراجع المتعلقة بالحياة اليومية والاجتماعية الروسية خلال فترة غزو نابليون (1812)، ففي رسالة إلى زوجة شقيقه، إليزابيث بيرس، وهو يعكف على قراءة التاريخين الروسي والفرنسي في فترة الحرب، عبّر عن إحباطه من غياب المراجع التي توثق المذكرات الشخصية ويوميات تلك الحقبة، مقابل الكميات الكبيرة من الوثائق العسكرية والتاريخية الرسمية.
البريطاني جورج أوريل أشار في مقاله: «لماذا أكتب؟» إلى أنّ الحرب الأهلية الإسبانية أدارت، بالنسبة له، كفة الميزان، فبسببها عرف أين يقف. برأيه من العبث الاعتقاد أنه بإمكان المرء تفادي الكتابة في القضايا الجوهرية التي تتصل بمصائر الأفراد والمجتمعات، وبكلماته فإنه عندما يجلس لكتابة كتاب لا يقول لنفسه: سوف أنتج عملاً فنياً، بل يكتبه لأن هناك كذبة يريد أن يفضحها، دون التضحية بالنزاهة الجمالية والفكرية المنشودة من الكتابة.
«إذا استمرت الحرب» كتاب جميل للكاتب الألماني هيرمان هيسه، وهو ليس رواية كغالبية كتبه، وإنما مجموعة مقالات كُتبت في سياق الحرب العالمية الأولى، وتفتح قراءة هذا النص اليوم، في ضوء ما شهده العالم من تطورات، أفقاً لفهمٍ أعمق لما يدور حولنا.
وفي المقال الذي حمل عنوان: «آه يا أصدقائي.. ليست هذه النغمات» الذي تضمنه الكتاب، يبدو هيسه أكثر تفاؤلاً من جورج أوريل الذي كاد أن يجزم في روايته «1984» أن الحرب ليست نتيجة خطأ، بل أداة مقصودة لإدامة السيطرة، تُستخدم لإبقاء المجتمعات في حالة خوف، فيما أظهر هيسه ميلاً للاعتقاد أن إلغاء الحروب أنبل أهداف الإنسانية والغاية النهائية للأخلاق، داعياً لعدم الكفّ عن أن «نجعل السلام على الأرض والصداقة بين البشر هدفاً أسمى، لأن الإيمان الراسخ بأن الحياة تستحق أن تعاش هو المغزى والعزاء النهائيان».