سوسن دهنيم

في كتابه «خيانة الوصايا» يذكر الروائي ميلان كونديرا أن قارباً صغيراً التقى سفينة مزدحمة بتجار خراف، قام أحدهم بشتم راكب يدعى بانورج من غير سبب، فما كان من الراكب إلا أن اشترى خروفاً ثم ألقى به في البحر محاولاً الانتقام من أولئك التجار، حينها تبعته بقية الخراف ملقية بنفسها في عرض البحر واحداً تلو الآخر اقتداءً بالخروف الأول.
تلك هي ثقافة القطيع. القطيع الذي لا سلطة له على قرارته ولا رأي له، مادام يتقدمه من يستطيع إيكال جل أموره وقراراته إليه مهما كان فاسداً أو غبياً أو غير مؤهل، فهل يمكننا اعتبار ما نعيشه اليوم في كثير من المجتمعات والأوساط ضرباً من هذه الثقافة؟ نجد أن بعض من يفترض بهم أن يكونوا قادة رأي في المجتمع يناقضون أنفسهم بشكل فج وأبله أحياناً؛ يتكلمون عن سلوك هذا أو ذاك من المسؤولين بشكل واقعي وحقيقي وصريح حين يكونون في حضرة الأصدقاء أو في الجلسات الخاصة، فيما يطبّلون له وينشدون كلمات الإطراء في الصحف والمنابر العامة مناقضين أنفسهم وآراءهم وقناعاتهم، خوفاً من ردة فعل المجتمع المحيط تارة، وخوفاً على مصالحهم تارة أخرى، وكي لا يكونوا هم الخارجين عن القطيع أو المغردين خارج السرب حين يكون من أخطأ وقصّر في منصب قد يحتاجون إليه يوماً، ناسين أنه من الجميل أن يكون للمثقف والمسؤول وقائد الرأي قرار واحد ورأي واحد في هذا الأمر أو ذاك، وأن يذكر مكامن القصور كما يتحدث عن مواضع القوة، وأنه بمثل هذا السلوك الصريح ترتقي المجتمعات وتتقدم الأمم، بينما بمجاراة القطيع تفقد كثير من الأوساط رونقها وبريقها.
هذا التناقض بين الرأيين الخاص والعام لأي منا يشبه ما يفعله الأبله في كل مكان؛ فيناقض نفسه مع كل حديث. وبذكر البلاهة نستذكر ما كتبه ألبرتو مانغويل في كتابه «يوميات القراءة» عن ال «هاكرز» الذين قرصنوا موقع وزارة المالية في رومانيا، وفرضوا ضريبة على البلاهة تكون نسبتها حسب أهمية الوظيفة التي يشغلها من يدفع الضريبة.
كم نتمنى لو تفرض مثل تلك الضريبة بالفعل على كل متناقض ومنافق، وكل أبله يسوّق لمن لا يستحق التسويق في كل مكان، إذ مهما كانت درجة ثقافة من يناقض نفسه وآراءه فإنه لا يغدو أكثر من مجرد أبله أمام من يعرف الوقائع ويعرف تماماً أن ذاك يعرفها ولكنه يخشى قولها لاعتبارات عديدة.

[email protected]