رياح جديدة هبت على الدراما المصرية، وحملت معها أفكاراً لم تكن في عالم الكتابة، ولم نقرأها في أوراق كتّاب الأمس . والرياح الآتية دائماً ما تحمل معها الجيد والسيئ بطبيعة الحال، وتحمل معها أيضاً معالم التغيير التي قد تنعكس حياة جديدة للدراما، إذا أحسن صناعها مواصلة السير على طريقها .
هذه الرياح الجديدة قد تبدو صعبة في بعض جوانبها على المشاهد العادي، بينما يتحمس لها الشباب، لأنها تحمل روح الإثارة والتشويق . وهذا اللون الذي حملته بعض الأقلام إلى الدراما بعد ثورة 25 يناير، لم ينقل نبض الشارع فقط، بل فتح الأبواب أمام طرق جديدة للوصول إلى الناس، ومنها الصوفية التي بدأت تزداد انتشاراً . وإذا كانت موجة مسلسلات التشويق قد ارتبطت بداية بالأحداث الأمنية والسياسية فنتجت عنها مسلسلات مثل "طرف ثالث" و"تحت الأرض" و"المواطن اكس"، فإن البعض اتجه نحو محاورة عقل المشاهد بشكل أعمق مثل الكاتب عبد الرحيم كمال الذي حمل إلى الشاشة، نمطاً جديداً فيه الكثير من الجرأة في طرح الأفكار، والتشويق الذي يلامس العمق الروحاني، مع مسلسل "الخواجة عبد القادر" الذي قدمه في رمضان عام ،2012 حيث تطرق إلى علاقة الإنسان بربه، وقصة حب حقيقي والإيمان الحقيقي، إضافة إلى عقائد وممارسات يؤمن بها الناس ويمارسونها، مثل زيارة أضرحة أولياء الله الصالحين، والإيمان المطلق بهم وبقدرتهم على تحقيق المعجزات .
هذا العام، فتح الكاتب محمد أمين راضي، الباب واسعاً ليقدم مسلسلاً يركز فيه على أهمية "زيارة الضريح"، وذاهباً إلى التعمق في فكرة الخطيئة المتمكنة من الإنسان، ودور العقل الباطن في تسيير حياته . وكان لا بد من تغليف أجواء "السبع وصايا" بروحانيات من الصوفية، تتجسد في كلمات وألحان وطقوس تبدأ من تتر المسلسل من أشعار محيي الدين بن عربي، فتأخذ المشاهد إلى عوالم مختلفة غير عادية .
المؤلف محمد أمين راضي ومعه المخرج خالد مرعي، قدما العام الماضي "نيران صديقة" بنفس روح الإثارة والتشويق والبطولة الجماعية، لكنهما في "السبع وصايا" تفننا في تقديم دراما لا تشبه أي دراما عربية سابقة، ولا تشبه الحكايات التي عودتنا عليها الشاشة من قبل . ولا يمكنك القول إنك شاهدت مسلسلاً من ثلاثين حلقة، لأنك في الواقع عشت سبع قصص مترابطة منفصلة بشكل متماسك وقوي في مسلسل واحد يمتد إلى ثلاثين حلقة .
"سيد نفيسة" أصبح ولياً صالحاً وله ضريح في البيت الذي عاش ومات فيه، يزوره الناس، ليتباركوا منه ويطلبوا شفاعته . من هو سيد نفيسة؟ هو أب لسبعة أبناء، بوسي ومرمر وإم إم وهند ومنصف ومحمود وصبري . دخل في غيبوبة لسنوات طويلة، ومن شدة ظلمه لأبنائه، والفقر الذي عاشوا فيه، قرروا التخلص منه بعد اكتشافهم أنه يملك 28 مليون جنيه . ومنذ الحلقة الأولى، تبدأ الإثارة مع قتل الأب، وتحوله من جاني على أبنائه إلى ضحية، إنما "بقدرة قادر" تختفي جثته من الغرفة المغلقة، وتبدأ عملية البحث عن "الجثة" .
ما شغل الناس طوال مدة عرض المسلسل، هو معرفة سر اختفاء الجثة، بينما اتخذ الكاتب من الواقعة جسراً ليعبر من خلاله إلى طقوس ومعتقدات وشعوذات ودجل يمارسها الناس، والأهم الوصول إلى أعماق النفس البشرية التي تميل إلى الخطيئة كأسهل الطرق من أجل الوصول إلى الغاية التي تريدها . وكلما وقع الإنسان في خطأ، أو ارتكب معصية أو حتى جريمة، لجأ إلى الله كي يغفر له ويريح ضميره بتبريرات لما فعل . ويركز المخرج كثيراً وتماشياً مع النص، على زيارة الناس ل "أولياء الله" ليشفعوا لهم وليكونوا الوسيط بينهم وبين الله . ويركز المخرج أيضاً على مشهد تبرع الناس بالأموال حتى الفقراء منهم، في صناديق الجوامع والأضرحة، كوسيلة للتكفير عن ذنوبهم أي الاستغفار ومحو الذنوب .
الخطيئة الأولى تبدأ مع قتل الأب، وهي الجريمة التي نفذتها بوسي (رانيا يوسف)، وتم إلقاء القبض عليها وسجنها بسببها، بينما هرب الباقون، كل في اتجاه . ومن بعدها تتوالى الخطايا، وكل من الأبناء يرتكب المعصية تلو الأخرى في محاولة لإبعاد الشبهات عنه، ولغسل الذنوب ومحو آثار الجريمة الأولى . كل منهم يريد التوبة، ولكن رصيد الخطايا يكبر، والأمور تزداد تعقيداً .
بعض المشاهد تذّكرنا بأخرى سبق أن شاهدناها في السينما، مثل مشهد إلقاء القبض على الأخت الكبرى بوسي، حيث عمد خالد مرعي إلى تصويره ببطء مع تشتت الإخوة وهروبهم كلاً في طريق متخفين، كي لا يتعرف إليهم أحد، وهو المشهد الذي رأيناه لحظة القبض على السيد المسيح في فيلم "يسوع الناصري"، وكذلك مشهد "العشاء الأخير" الذي تجمع فيه بوسي أشقاءها لآخر مرة .
كثيرة التفاصيل وكثيرة الأحداث، ويستحق العمل أن نعطيه الكثير من الوقت والحديث عنه بدقة، لأنه بقدر ما يحاكي الناس البسطاء وعاداتهم وطقوسهم وسذاجة فهمهم لأمور كثيرة روحانية، بقدر ما يغوص في تحليل النفس البشرية وعلاقتها بالخالق، ويغوص في مفهوم الخطيئة والغفران والتوبة . ومن حق كل من مثل في المسلسل أن يحمل لقب بطل، لأنه أبدع فيما قدم، ولأنه عاش الدور والتحم فيه حتى العظم . من رانيا يوسف إلى هنا شيحة ووليد فواز وسوسن بدر وآيتن عامر وهيثم أحمد زكي وناهد السباعي وصبري فواز ونسرين أمين ومحمد شاهين وغيرهم . . وخالد مرعي ليس مخرجاً سهلاً أو عادياً، لأنه أجاد أن يمسك كل تلك الخيوط ويقدم لنا تشويقاً يدخلنا في عالم الدهشة كل حلقة، ويشدنا بلهفة لننتظر الحلقة التالية بلا ملل أو من دون أن يشتت ذهن المشاهد ويضلله في مساقات فرعية لا ضرورة لها .
أما نهاية المسلسل، فهي حكاية بحد ذاتها، ورغم اعتراض المشاهدين عليها، وتركيزهم على عدم الكشف عن مكان وجود جثة سيد نفيسة، فإنها مسك الختام، وأفضل ما يمكن أن يكون لقصة وكأنها رحلة البحث عن الإنسان من خلال علاقته بالخطيئة وحاجته إلى الغفران . فالكاتب أجاب في أكثر من حلقة عن السؤال الدائم "أين جثة سيد نفيسة؟" وأجاب عن كيفية ظهوره لأولاده في الأحلام، وعن كل ما يتهيأ لهم من أقوال وأفعال، بأنها مجرد أوهام وليدة العقل الباطن . وما يصلنا من المسلسل يعني أن الإنسان يعيش أسيراً لضميره، يعذبه تأنيباً له على أي خطأ، ويريحه مكافأة له على كل خير، وأن كثيراً من الأوهام نحسبها حقيقة، وكثيراً من الطقوس مجرد عادات .

مارلين سلوم
[email protected]