عادي

لعبة الكراسي الموسيقية غير العادلة

04:38 صباحا
قراءة 3 دقائق
فيكي رايْدر *

يُمكن اعتبار لعبة الكراسي الموسيقية استعارة مجازية تعبّر عن العالم الذي نعيش فيه، حيث يقتصر «اللعب» في النهاية، على مجموعة صغيرة، بينما يُطرد الآخرون إلى الهامش.
مَن نشأ في الولايات المتحدة يتذكر لعبة الكراسي الموسيقية في المدارس. كان معلِّمونا يضعون كراسي في دائرة - واحداً لكل تلميذ في الصّف - ثم يزيلون منها كرسيّاً واحداً. وعندما كانت تبدأ الموسيقى، كنّا نمشي كلنا وراء دائرة الكراسي، وعندما تتوقف الموسيقى، نندفع بسرعة لاحتلال واحد من الكراسي الباقية. والذي يبقى من دون مقعد، يُنحّى جانباً، بينما يتصايح الآخرون فرحين، ويستأنفون اللعبة.
ومع إزالة الكراسي واحداً بعد آخر، كان عدد الخاسرين يكبُر، بينما يبقى أولئك الذين استطاعوا شق طريقهم نحو كرسيّ بالمزاحمة، ليلعبوا جولة أخرى. وفي النهاية، كان شخصٌ واحد، هو في العادة الأضخم، أو الأسرع أو الأشرس، يُعلَن فائزاً لنجاحه في دفع الآخرين وإبعادهم عن طريقه.
كنت أكره تلك اللعبة! كنت أكره الطريقة التي أُدْعى بها إلى «الخروج». وكنت أكره أن «الخاسرين» الآخرين من أمثالي، كانوا يُضطرّون إلى المشاهدة من خارج اللعبة، بينما يستمتع مَن بقوا بذلك الوقت السعيد. أين المتعة في ذلك بالنسبة إلينا؟ وما الذي كان يُفترض أن نتعلمه من هذه «اللعبة»؟
عندما أصبحتُ معلّمةً مهتمة بنوع العالم الذي سيواجهه طُلابي ذات يوم، ابتكرتُ نوعاً مختلفاً من الكراسي الموسيقية. كانت الإعدادات هي نفسها، ولكن القواعد تختلف قليلاً. كنت أقول لطلابي في الصف الثاني، «في هذه اللعبة، لا أحد يفوز ما لم يَفُزْ الجميع. في كل جولة سوف أزيل كرسيّاً، وعندما تتوقف الموسيقى، يجب أن يكون لكل شخص مكان يجلس فيه»، وبعد ذلك أبدأ الموسيقى.
وعندما تتوقف، كان الطفل الذي ليس لديه كرسي، يُدعى دائماً إلى مشاركة الكرسي مع لاعب آخر. وهكذا تستمر اللعبة. لم يكن أحدٌ يؤمر بال «خروج»، لأن كل واحد كان لا بُد أن يكون لديه مكان يجلس فيه، أو تنتهي اللعبة. وعندما كانت دائرة الكراسي تغدو أصغر فأصغر، كان الأطفال يصبحون أشدّ تصميماً على عدم ترك أي واحد يفشل، ويصبحون أكثر إبداعاً لتحقيق ذلك. كانوا يقرّبون الكراسي الباقية من بعضها. وكانوا يتكوّمون ثلاثة في حجور بعضهم، وأحياناً أربعة، بحيث يكون الأضخم في الأسفل، ليُمسكوا الأصغر منهم. وكانوا يتشبثون معاً لكيلا يسقط أحد؛ كانوا يتضاحكون ويتصايحون، وكانوا متأكدين من أنه عندما تنتهي اللعبة، سيكون الجميع ما زالوا فيها، وأن أحداً لم يُصب بأذى.
الآن، أشاهد أحفادي ينشؤون في «أغنى دولة في العالم»، عالم يُكدِّس فيه واحد في المئة فقط من السكان عندنا، أغالبية الثروة، بينما يُدفع ال 99% الآخرون إلى الحواشي بشكل متزايد. وبينما تملك أغنى خمس عائلات في أمريكا، ثروات تبلغ 426 مليار دولار (وتتزايد بمعدل 4 ملايين دولار كل ساعة)، يجب على البقية منا، الذي يعاب عليهم في كثير من الأحيان أنهم «كسالى» أو «طفيليون»، أن يكافحوا لتلبية الاحتياجات الضرورية، بينما يكسبون حدّاً أدنى من الأجور، من دون تغطية صحّية على الأغلب، وبديون متعاظمة.
كنت دائماً أعتبر لعبة الكراسي الموسيقية، استعارة مجازية تعبّر عن العالم الذي نعيش فيه. وسواء كنّا نلعب على صعيد العالم، فننتزع موارده المتضائلة، بالقنابل والطائرات المسيّرة، أو في الصّفّ الثاني في مدرسة ابتدائية، متشبثين بالكراسي، يطيب لي أن أعتقد بأنه يجدُر بنا جميعاً أن نلعب وفق مجموعة جديدة من القواعد، بحيث يحصل كل واحد على نصيب عادل، من دون أن يتأذى أحد. الأمر بهذه البساطة فعلاً.

*مُدرّسة متقاعدة، شغلت منصب اختصاصية في إدارة النزاعات في مكتب حاكم نيويورك
موقع: «زِدْ كوم»

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"