كم تتحكم وسائل التواصل الاجتماعي في تصرفاتنا اليومية وأسلوب تعاملنا، بل في حياتنا برمتها، وكم تجعلنا حبيسي أجهزتنا النقالة، لا ننفك ننظر في هواتفنا، متجولين بين «واتس أب» و«انستغرام» ثم «تويتر» و «فيس بوك» وغيرها من شبكات التواصل التي لا تعد ولا تحصى، حتى وصل الحال بنا إلى أن نجلس في مجلس واحد وكل واحد منا منفرد بذاته غارق حتى الثمالة في الرد هنا والبحث هناك والنظر بين هذا وذاك متنقلاً بين الأخبار والصور والمعلومات التي لا يخرج جلّها عن الفبركة أو الشائعات أو التهريج، ونتواصل مع الحضور في ذلك المجلس عبر الرسائل التي تلحقها نظرة فابتسامة ثم رسائل أخرى، ونجد أنفسنا في المناسبات الخاصة والعامة كالأعياد مكتفين بإرسال رسالة جماعية للتهنئة أو صورة تهنئ الجميع وكأننا أدينا الواجب.
ما جعلني أكتب هذا هو ما حدث معي في الأسبوع المنصرم عندما سُرِق حسابي على «الواتس أب» وصرت واحداً من ضحايا شبكات القرصنة.
انزعجت في بادئ الأمر بكل تأكيد، وحاولت استرجاعه بشتى الطرق لكنني فشلت، فرضيت بالأمر الواقع، وأحمد الله على ذلك، فقد اكتشفت مع مرور الوقت كم كنت خاضعاً صاغراً، مثلي مثل الكثيرين لهذه الملهاة التي تضعف العلاقات الاجتماعية خصوصاً في التواصل المباشر. وبكل صدق أحسست مع مرور الأيام بالراحة والرضا وكم كنت أستهلك من الوقت في شيء لا أدّعي عدم فائدته بل أجزم بأننا أصبحنا أسرى له، وأننا أضعنا الكثير بهذا الخضوع السلبي، فقد شعرت براحة البال والقدرة على التواصل الإيجابي حين كنت أزور أهلي وأقاربي أو أهاتف ذاك الصديق أو هذا. وجدت الكثير من الوقت للاطلاع والقراءة والكتابة والبحث في مصادر المعرفة المختلفة، من غير الاعتماد على معلومات مبتسرة أو أخبار مشوهة أو مغلوطة أو ملغومة تبث عبر هذه الوسيلة أو تلك.
لا أدعو هنا إلى هجران هذه الوسائل، فبكل تأكيد لها بعض المزايا الإيجابية، ولكنني أدعو إلى تقنين التعامل معها وعبرها، وتوظيفها بما يناسب وبشكل مناسب. فكم نفقد من قدراتنا وإمكاناتنا وأحبابنا حينما نستعيض بها للتواصل معهم، نحيل حياتنا إلى جماد ليس فيه حياة. لذا أدعو إلى التعامل مع هذه الوسائل بما لا يفقدنا الإحساس والعاطفة، وأن نتحكم في هذه الوسائل دون أن تتحكم فينا؛ فمواكبة العصر لا تعني أبداً الخضوع للتكنولوجيا بل تطويعها بما يخدمنا بشكل إيجابي ومفيد يجعلنا أكثر ترابطاً وقرباً وحضارة.
إبراهيم الهاشمي