أبو نواس شخصية ظريفة . متعدد المواهب . يفجّر أحياناً قنبلة علمية حينما يقول: "وداوني بالتي كانت هي الداء"، يتوهم الواهمون، حتى من علماء اللغة والأدب والنقد، أن المسألة ومضة شعرية . في حين أنه هو نفسه يجهل عمق القضية . في هذا الشطر الذي يعرفه الخاص والعام، يكشف الرجل علماً لم يظهر إلا قبل قرنين تقريباً: الطب المثلي . عافاكم الله وعافانا من المثلية . والمقصود علاج الداء بالداء . أحياناً أخرى تراه منظراً سياسياً وهو لا يدري: "علمت شيئاً وغابت عنك أشياء" . أو "عرفت شيئاً"، أو "حفظت شيئاً" . كلها روايات .
لن يسأله أحد عن معنى العلم والفلسفة لديه: "وقل لمن يدعي في العلم فلسفة" . العلم هنا فهم أو إدراك أو إلمام، والفلسفة الشطحات والتظاهر بالعلم والمعرفة . على ما يبدو . لا علينا بما يعنيه الشاعر النواسي الذي عانق الخيام . لعلمك الخاص جورج جرداق يقول هذا . يجب أن تكون كالكنغر لتحسن القفز من الحسن بن هانئ إلى الخيام إلى جرداق .
هموم الإنسان العربي اليوم شيء آخر . أشياء . نبدأ من تحت إلى فوق أم العكس؟ لا يهم . مثلاً: تقول للسيد بان كي مون: "علمت شيئاً من القانون الدولي، كحق "إسرائيل" في الأمن، وغابت عنك حاجة الفلسطيني المسكين، ولو كان رئيس سلطة، في حرية الحركة والتنقّل من دون إجازة أو إذن خروج وعودة من القوة القاهرة بقهر دولي من الأقوياء . أنت تقرّ بحق المحتل في بناء مئات ألوف المستوطنات، وغاب عن ذهن حضرتك أن الآخرين يحق لهم الاحتفاظ بشجرة زيتون، بمنزل متواضع في قرية، بخربة عارية تحت المطر، بطفل يذهب إلى المدرسة البعيدة المدمرة ثلاثة أرباعها، فلا يبقى للقوم إلا أن يفرحوا بمطرب شاب فاز في مسابقة فنية .
لكن لا تقل لجامعة الدول العربية: "حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء" .
التراث له حدود . وهو يعرف حدوده في هذه الأمة: لسانك حصانك . هي عبارة مهذبة تعني في الحقيقة: لسانك مشنقتك . باختصار . بدليل أن الجامعة توهمت يوماً أنها جامعة، فقيل لها: علمت شيئاً وغاب عنك أن الحدود محدودة . نستطيع أن نغيّر الحدود، أن نقسّمها .
لزوم ما يلزم: انتبهوا وتنبّهوا جيداً، أبو نواس لم يقل هذه الأشياء . لقد غابت عنكم أشياء .
[email protected]