هكذا يكون الشاهد المضادّ وإلاّ فلا. من خلق الله أناس يحفظون عن ظهر قلب آلاف الأبيات الشعرية والأمثال والحكم وغيرها، ولكنهم يستشهدون دائماً بالأقوال في عكس ما يقتضيه المقام.عندما يكون هؤلاء أفراداً عاديين، ينشرون في محيطهم فراشات المرح وعبير الانشراح، أمّا إذا كانوا سياسيين من الطراز الأوّل، فإن السماء تمطر حمماً ورجوماً.
يبدو أن أنقرة لم تعجبها سياسة تصفير المشكلات، فأرادت تجربة تصفير الحلول. يشهد الله أنها نجحت في هذا نجاحاً بعيداً يحار فيه العقل والجنون. حامل بيرق العثمانيين الجدد دفعه ضيق ذات اليد في العلاقات الدولية إلى أن يخطب ودّ «إسرائيل» من جديد، ولكن خبط عشواء في الاستشهاد بالأفكار والأقوال جعل قدمه تزلّ به. لم تكن لمحور حديثه صلة بالدولة الغاصبة، فقد كان الموضوع النظام الرئاسيّ، الذي يتعطش إليه بلهفة وهيام. وإذا بحصان لسانه يكبو، فيستدلّ على قوّة النظام الرئاسيّ بالرايخ الثالث في عهد الفوهرر أدولف هتلر. كان المشهد أكثر طرافة، ولا ريب، لو كان سحر بيانه أمام نتنياهو شخصيّاً.
لكن السلطان الحديث لا يلقي كلامه على عواهنه، فقد أفادت «لوبوان الفرنسية» (1 يناير 16) بأن كتاب «كفاحي» الذي ألفّه هتلر، له شعبيّة خاصة في تركيا، إلى حدّ أنه بيعت منه ثلاثون ألف نسخة سنة 2004. الطريف هو أن وراء أكمة هذا الطرح بُعداً ذا مغزى بعيد، فالسيد يدري ولا شك أن «الرايخ الثالث» تعني المملكة الثالثة. وبالتالي فإن التوق إلى النظام الرئاسيّ، يخفي الشوق إلى نظام يدوم دوام النظام الملكيّ.
في الحقيقة، لقد اختار الرئيس التركيّ الوقت الأوروبيّ المناسب، ففي القارّة العجوز سقط «التابو»، ولم تعد إعادة طباعة كتاب «كفاحي» من المحظورات. في ألمانيا دقت ساعة العام الجديد بظهور طبعة جديدة، ترى وزيرة التربية جوهانا وانكا ضرورة إدراجها في المناهج ليطلع الطلاب على التاريخ. وفي فرنسا ينتظر القراء دار «فايار» الشهيرة مع ترجمة جديدة. والكتاب غير محظور في الولايات المتحدة. وأنقرة ترقص على الحبلين: تدعو الأتراك إلى نظام هتلريّ الرئاسة، وتغازل الصهاينة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الأفنديّة: سُمع تركيّ يغنيّ: أنا أيضاً لي كفاحي.. في غدوّي ورواحي.. غايتي أغدو رئيساً.. ملكيّاً بالسلاح.