وليست التسمية من جهتها بعيدة عن دلالاتها الحسية المباشرة. فالملحمة ليست بعيدة عن التلاحم الذي تحتاجه الجماعات لكي تواجه الأخطار المحدقة بها من كل جانب. ولأجل هذه الغاية سيسقط الكثير من اللحم البشري تحت سنابك الخيول ورحى الحروب الطاحنة. ومن يقرأ ملاحم اليونان والرومان والفرس وغيرهم لابُدّ أن تستوقفه شلالات الدماء النازفة من طرفي المواجهة التي لا تقتصر على الإنسان وحده بل تطال في ما تطاله الآلهة التي تتورط من جهتها في صراع البشر مرجحة كفة فريق على فريق.
والسؤال البديهي الذي يتبادر إلى الذهن في حالة كهذه هو التالي: هل كانت للعرب ملحمتهم؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فأين هي تلك الملحمة. أما إذا كان بالنفي، فلماذا لم يعرف العرب هذا الفن، وهم الذين سموا الشعر ديوانهم الأثير، وخاضوا من الحروب الدامية ما لم يخمد أواره لسنوات طويلة كحرب البسوس وحرب داحس والغبراء وكثير غيرهما؟
ولست هنا لأُضيف قراءة جديدة لما ذهب إليه نقاد مرموقون حول غياب الملحمة عند العرب، وفق تعريفاتها الأولى المتعلقة بالحجم وطريقة السرد والتداخل مع الأسطورة وإحلال الضمير الغائب محل ضمير المتكلم، وسوى ذلك من العناصر. أو لما ذهب إليه آخرون من أن غياب الملحمة العربية الكبرى لا يعني غياب الشعر ذي الطبيعة الملحمية والتي تتواءم لوحاته السردية الفريدة مع مثيلاتها في الملاحم التاريخية المعروفة. وعلينا بالطبع أن لا نغفل في هذا السياق العناصر التي أسهمت في تغييب فن المسرح عن التاريخ الأدبي للعرب، وهو الذي عرف ازدهاره الأهم عند جيرانهم اليونانيين. وأغلب الظن هو أن كلاّ من الفنين الملحمي والمسرحي ينمو في مجتمع مديني، أو على الأقل في مجتمع زراعي ذي مراكز مدينية تتيح لجماعاته البشرية إطاراً من الانصهار والتفاعل وتغير الأصوات. وهو ما لم يتوفر للعرب الرحَّل في الصحراء والهائمين على وجوههم بحثاً عن العشب والماء. صحيح أنهم اتخذوا لأنفسهم أكثر من إله واحد ولكن هذه الآلهة ظلت مبهمة ونائية بنفسها عن التدخل في شؤونهم اليومية. وصحيح أنهم خاضوا حروباً قاسية ودموية، ولكن أميَّتهم الغالبة واعتمادهم على الذاكرة الشفوية لم يتيحا لهم بلورة تعبيراتهم الشعرية في عمل متماسك وطويل. وحين جاء الإسلام، كان قد تم إلغاء الآلهة جميعها وتحييد الأساطير عن واقع الناس، ومنع الشعراء من تسعير نيران المواجهات بين القبائل، بما لم يسمح بتسييل الحروب الكبرى، كاليرموك والقادسية في حسابات الملاحم.
على أن كل ذلك لا ينفي بالقطع وجود مناخات ملحمية لافتة عند غير شاعر وفي غير عصرٍ من عصور العرب. ومع أن جنوح الشعراء للتمسك بالأنا الفردية والجمعية في ما نظموه من قصائد قد أبقى أشعارهم في خانة الشعر الغنائي بوجه عام ولم يساعدهم على التحليق في الفضاء الملحمي، فإننا سنعثر بالمقابل على لوحات ومشهديات ملحمية شديدة الفرادة في قول عمرو بن كلثوم «ملأنا البر حتى ضاق عنا/ وظهر البحر نملأه سفينا»، وقول النابغة في وصف المناذرة «إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم/ عصائب طير تهتدي بعصائب».
كما تجب الإشارة أخيراً إلى أن النثر العربي قد تكفل بسد النقص الذي تركه الشعر وراءه في هذا الباب. فمن يقرأ سير سيف بن ذي يزن وعنترة بن شداد وبني هلال، سيعثر على الكثير من عناصر الأدب الملحمي التي يلتقي فيها الواقع والخيال، كما الأسطورة والتاريخ، تحت سطح واحد. وهو ما شكّل مع«الف ليلة وليلة» أساساً متيناً لفن السرد عند العرب، كما رفد الشعراء العرب اللاحقين بالكثير من عناصر الإلهام والفانتازيا والتخييل الجامع.
شوقي بزيع