شوقي بزيع

لا أعرف متعة في الحياة توازي متعة الكتابة سوى القراءة. وإذا كانت للأولى عذاباتها المتصلة بألم المخاض ومشقة الولادة وابتكار الحياة، فإن الثانية متصلة بالمتعة الخالصة، حيث نكتفي نحن القراء بغنيمة التلذذ بالمعرفة الجاهزة فيما الكاتب وحده يتحمل غرم الكتاب ومشتقاته، على ما يقول الجاحظ. وقبل بورخيس الأرجنتيني الذي شبَّه المكتبة بالفردوس بألف عام، كان أبو عثمان الجاحظ يرى في الكتب حدائق عقلية وجمالية غناء، ويرى في القراءة نوعاً من النزهة المعرفية التي تتيح لنا فيما نحن نجلس في أماكننا أن نجوب الأزمنة والأماكن وجغرافيا الألوان كلها.
ثمة مع ذلك نوع من الحسرة الغامضة التي يشعر بها المرء وهو يتأمل في مكتبة بيته التي لا تتيح له الحياة المحدودة أن يقرأ كل ما تحتوي عليه من كتب ومجلدات وموسوعات. وهذا الأمر ينسحب بشكل خاص على «جرذان الكتب» الذين لا يتركون إصداراً جديداً أو عملاً لافتاً دون أن يعملوا على اقتنائه، غير آبهين بتوفر الوقت اللازم لقراءة آلاف الكتب المكدسة في مكتبات منازلهم وعند جدرانها وأروقتها المختلفة. وهي حسرة تزداد حدة عند زوار المعارض من المثقفين والقراء النهمين الذين يحارون في ما ينتقونه من أعمال، وسط آلاف العناوين التي تتصدر الواجهات وتوقعهم في دوامة الحيرة والارتباك ومشقة الاختيار.
ما الذي علينا نحن المهتمين والمشتغلين بالكتابة أن نفعله في هذه الحالة؟
ليس ثمة بالطبع إجابة شافية عن سؤال كهذا، أو عن «معضلة» مؤرقة سبق أن واجهها من قبل مبدعون كثيرون كلٌّ على طريقته ووفقاً لقناعاته وطقوسه الخاصة. فمنهم من دعا إلى قراءة كل ما تطاله اليد أو تقع عليه العين من صنوف الكتب وموضوعاتها، دون أن يتقيد الشاعر بالضرورة بقراءة الشعر، والروائي بقراءة الرواية والفيلسوف بالفلسفة والمؤرخ بالتاريخ، وهكذا دواليك.
في حين ذهب آخرون إلى الانتقاء وحسن الاختيار والقراءة المحددة التي تفيد المرء في مجال اختصاصه، لا أكثر. على أن القراءة المتخصصة يمكن أن تناسب المشتغلين بالشأن العلمي الذي يحتاج إلى تعمق وتفرغ طويلين، كما هو حال الطب والهندسة والرياضيات والعلوم الوضعية المختلفة. أما المشتغلون بالآداب والفنون فإنهم يحتاجون إلى إثراء مخيلاتهم وتوسيع مداركهم وتنمية لغاتهم عبر مختلف المصادر المعرفية. وقد سبق لمحمود درويش أن أعلن في أحد حواراته أنه يجد متعة كبيرة في قراءة كتب الفلك والفيزياء والجغرافيا والتاريخ، إضافة إلى استمتاعه بقراءة المعاجم والقواميس من طراز «لسان العرب». ثم إن اقتصار الشاعر على قراءة الشعر وحده، والروائي على قراءة الرواية، قد تدفع كلاً منهما إلى الوقوع في فلك هذا الشاعر أو ذاك الروائي ممن يجد في أسلوبه ولغته نموذجه ومثاله. في حين أن تنويع القراءات بعيداً عن «الاختصاص» الأصلي يتيح للغة أن تتلقح بعناصر الجدة والمغايرة وثراء المفردات.
لا يعني ذلك بأي حال الحث على القراءة العشوائية التي قد تهدر الوقت في ما لا طائل منه، وخاصة في المراحل المتقدمة من الأعمار. فالمرء في العشرين أو الثلاثين يهجم على الحياة بكل ما أوتي من حيوية الشباب وفوران الدم في العروق. فالهامش الزمني المفتوح أمامه على مصراعيه يتيح له أن يزور الكثير من البلدان ويعشق الكثير من النساء ويخوض الكثير من المغامرات ويقرأ الكثير من الكتب. أما حين يضيق الهامش، في حقبتي الكهولة والشيخوخة، فهو مضطر إلى تضييق خياراته على الأصعدة كافة، وخاصة على مستوى اختيار قراءاته وحصرها بالإصدارات الاستثنائية التي تعيد شحنه بما يلزمه من طاقة اللغة وضروب التخييل.
على أن المشكلة لا تنحصر هنا في سؤال «ماذا نقرأ ؟» بل تتعداه إلى سؤال «كيف نقرأ؟». إذ إن الكثيرين منا يشعرون بالحرج أو الأسى حين يسألهم البعض عن فحوى معظم الكتب التي قرأوها فلا يكادون يتذكرون شيئاً منها، بما فيها أسماء المؤلفين وعناوين الكتب. صحيح أن حالاً كهذا ليس حال الجميع وأن الأمر متوقف على قوة الذاكرة أو ضعفها، ولكن الأمر متوقف أيضاً على كيفية القراءة وطريقة التعامل مع ما نقرأه. إذ إن ما نتصفحه على عجل، أو من دون تركيز، لن يتاح له أن يرسخ في ذاكرتنا المثقلة بالأحداث مثلما هو الحال مع ما نقرأه بتأنٍ وتركيز وتعمق. ويمكننا دوماً لعدم النسيان وضع خطوط وعلامات دالة تحت بعض المقاطع والسطور التي ترقى إلى مستوى الأقوال المأثورة، أو تختزل بالنسبة لنا الفحوى الجوهري للمقاربات والأفكار.
كما يمكن أن ندوِّن في دفتر خاص بعض اللمح النادرة واللقى الثمينة التي يصيبها المؤلفون في لحظات التجلي، والتي يمكن لها أن تختزل بعبارة واحدة كتاباً بأسره. وهو، لسوء الحظ، ما لم أهتد إليه إلاّ في السنوات الأخيرة وبعد أن فقدت الصلة بمئات الكتب التي قرأتها في مطالع العمر.