كان يفترض بهذه المقالة أن تتحدث عن تونس، ومعرضها الدولي للكتاب، وعن أحوال أهلها ومآل ثورتها بعد خمس سنوات على اندلاعها. كان يفترض بي، أنا العائد من زيارة لبلد أبي القاسم الشابي قبل أيام، أن أنقل ما يسمح به المقام من انطباعات ومشاهدات متصلة بوقائع أيام المعرض وندواته وأُمسياته وصخب زواره. وكانت لمحمد الصغير أولاد أحمد، الراقد إذ ذاك على سرير مرضه العضال، مساحة من الكتابة متصلة بالأمسية التي خصصت لتكريمه والتي كنت من المشاركين في إحيائها مع عدد من الشعراء الذين لم يحضر منهم سوى المصري سامح محجوب والتونسي غازي الديبي. وكانت الحشد الذي غصت به القاعة الصغيرة المخصصة للأمسية ينتظر بفارغ الصبر مجيء صاحب «نشيد الأيام الستة» ولو متهالكاً على عصاه لكي يستمع منه إلى قصائده الجارحة في عذوبتها والمتصلة بأوجاع شعبه ومكابداته. وحين تعذر مجيء الشاعر بفعل تدهور وضعه الصحي قرأنا له بعضاً من النصوص المختارة، فيما كان طيفه يظلل الشعراء والقصائد ووجوه الحاضرين.
عدت من تونس دون أن ألتقي الشاعر الجميل والجريء الذي ربطتني به صداقة وطيدة رسختها لقاءاتنا المتكررة في المربد وجرش والقاهرة وغيرها من حواضر الشعر ومنتدياته. كان يمكنني بالطبع أن ألتقيه للمرة الأخيرة، خاصة وأن أكثر من صديق مشترك عرض مرافقتي إلى المستشفى الذي يرقد فيه مهيضاً ويائساً من الشفاء. ولكنني لم أرد أن تتعكر صورة تلك الملامح الطافحة بالحياة والمقبلة عليها بشهية ضاربة لالتهام كل ما تقع عليه روحه من جمال، وجسده من ملذات. ولم أ رد أن أرى تلك القامة المنتصبة كالرمح وهي تتقوس على نفسها في غرف العناية الفائقة. كنت أدرك وفق كل الذين عاينوا الشاعر عن كثب أن صموده في وجه دائه الفتاك لن يستمر إلى ما لا نهاية، ولكن لم أكن أظن أنه سيستسلم بسهولة لأشرس أعدائه، وهو الذي صارع من قبل أعداء كثيرين، لم يسلموا من لسانه الذرب وقلمه اللاذع وقصائده الضارية. وإذا كان أولاد أحمد قد سقط بعد أسبوعين اثنين من سقوط الشاعر اللبناني محمد العبدالله، فإن ما يجمعهما معاً ليس جرأة النص وتسديده إلى قلب المعنى فحسب، بل ذلك الافتراع الشهواني للحياة، وتلك السخرية السوداء التي لا تنطفئ قهقهاتها العاتية قبل أن تبلغ مسامع الموت.
لقد بدا أولاد أحمد على امتداد حياته وكأنه شاعر المفارقات الضدية والمحيرة. فهو من جهة ينحو إلى نوع من العبث والفوضى والنزوع العدمي المسلح بخصومات كثيرة ومعارك لا حصر لها، وهو من جهة ثانية يقف ثابتاً وصلباً في وجه سلطة الاستبداد التي جسدها نظام ابن علي في تونس، غير آبه بالاعتقال والترهيب وتضييق الخناق على معيشته كما على نصوصه. وهو قاطع وغير مهادن في إعلان الحقيقة، كما يراها، وفي هجاء خصومه وتقريعهم وفضح سلوكياتهم المنافقة، ولكنه في الوقت نفسه مرهف كالدموع ونقيِّ كمياه بحيرة عند الفجر، وأبيض السريرة كنظرة امرأة إلى رضيعها النائم.
وهذه المفارقات نفسها هي التي حملت شعره إلى المنطقة الملتبسة بين البساطة والعمق، بين الخطاب العالي والثورية المخاتلة، والهجاء الساخط والغناء الحزين. هكذا باتت قصيدته الشهيرة «أحب البلاد كما لا يحب البلاد أحد» شعاراً موحداً لجموع التونسيين المختلفين على طريق الثورة والمتفقين على الإيمان بحلم التغيير. ولشدة إيمانه بدور الشعر في صناعة الثورات دعا إلى قيادة شعرية لثورة بلاده التي جعلت من بيت أبي القاسم الشابي الشهير «إذا الشعب يوماً أراد الحياة/ فلابُدّ أن يستجيب القدر»، لافتتها الأبرز في البيوت والقلوب والساحات العامة. وليس من قبيل الصدف أن يولد صاحب «جنوب الماء» في مدينة سيدي بوزيد التي أهدت إلى بلاد العرب جسد البوعزيزي المشتعل ليكون شرارة ثوراتها اللاحقة. ذلك أن شعر أولاد أحمد بدا الظهير الفعلي لتلك المرارات والآلام التي حملت صرخته الاحتجاجية إلى ذراها الأخيرة وهو يردد «حرام عليّ مدائنكم/ من الآن لن أشرب الماء فيها/ سأهدي حياتي إلى جثتني/وقبري إلى قريتي/ وقلبي إليك/ إذا شئت يا وطني/ يا عدوِّي!».
عدت من تونس دون أن ألتقي الشاعر الجميل والجريء الذي ربطتني به صداقة وطيدة رسختها لقاءاتنا المتكررة في المربد وجرش والقاهرة وغيرها من حواضر الشعر ومنتدياته. كان يمكنني بالطبع أن ألتقيه للمرة الأخيرة، خاصة وأن أكثر من صديق مشترك عرض مرافقتي إلى المستشفى الذي يرقد فيه مهيضاً ويائساً من الشفاء. ولكنني لم أرد أن تتعكر صورة تلك الملامح الطافحة بالحياة والمقبلة عليها بشهية ضاربة لالتهام كل ما تقع عليه روحه من جمال، وجسده من ملذات. ولم أ رد أن أرى تلك القامة المنتصبة كالرمح وهي تتقوس على نفسها في غرف العناية الفائقة. كنت أدرك وفق كل الذين عاينوا الشاعر عن كثب أن صموده في وجه دائه الفتاك لن يستمر إلى ما لا نهاية، ولكن لم أكن أظن أنه سيستسلم بسهولة لأشرس أعدائه، وهو الذي صارع من قبل أعداء كثيرين، لم يسلموا من لسانه الذرب وقلمه اللاذع وقصائده الضارية. وإذا كان أولاد أحمد قد سقط بعد أسبوعين اثنين من سقوط الشاعر اللبناني محمد العبدالله، فإن ما يجمعهما معاً ليس جرأة النص وتسديده إلى قلب المعنى فحسب، بل ذلك الافتراع الشهواني للحياة، وتلك السخرية السوداء التي لا تنطفئ قهقهاتها العاتية قبل أن تبلغ مسامع الموت.
لقد بدا أولاد أحمد على امتداد حياته وكأنه شاعر المفارقات الضدية والمحيرة. فهو من جهة ينحو إلى نوع من العبث والفوضى والنزوع العدمي المسلح بخصومات كثيرة ومعارك لا حصر لها، وهو من جهة ثانية يقف ثابتاً وصلباً في وجه سلطة الاستبداد التي جسدها نظام ابن علي في تونس، غير آبه بالاعتقال والترهيب وتضييق الخناق على معيشته كما على نصوصه. وهو قاطع وغير مهادن في إعلان الحقيقة، كما يراها، وفي هجاء خصومه وتقريعهم وفضح سلوكياتهم المنافقة، ولكنه في الوقت نفسه مرهف كالدموع ونقيِّ كمياه بحيرة عند الفجر، وأبيض السريرة كنظرة امرأة إلى رضيعها النائم.
وهذه المفارقات نفسها هي التي حملت شعره إلى المنطقة الملتبسة بين البساطة والعمق، بين الخطاب العالي والثورية المخاتلة، والهجاء الساخط والغناء الحزين. هكذا باتت قصيدته الشهيرة «أحب البلاد كما لا يحب البلاد أحد» شعاراً موحداً لجموع التونسيين المختلفين على طريق الثورة والمتفقين على الإيمان بحلم التغيير. ولشدة إيمانه بدور الشعر في صناعة الثورات دعا إلى قيادة شعرية لثورة بلاده التي جعلت من بيت أبي القاسم الشابي الشهير «إذا الشعب يوماً أراد الحياة/ فلابُدّ أن يستجيب القدر»، لافتتها الأبرز في البيوت والقلوب والساحات العامة. وليس من قبيل الصدف أن يولد صاحب «جنوب الماء» في مدينة سيدي بوزيد التي أهدت إلى بلاد العرب جسد البوعزيزي المشتعل ليكون شرارة ثوراتها اللاحقة. ذلك أن شعر أولاد أحمد بدا الظهير الفعلي لتلك المرارات والآلام التي حملت صرخته الاحتجاجية إلى ذراها الأخيرة وهو يردد «حرام عليّ مدائنكم/ من الآن لن أشرب الماء فيها/ سأهدي حياتي إلى جثتني/وقبري إلى قريتي/ وقلبي إليك/ إذا شئت يا وطني/ يا عدوِّي!».
شوقي بزيع