شوقي بزيع

لطالما تعامل الكثير من المؤرخين ودارسي التراث من منظور انتقائي يهدف إلى ترسيخ معتقداتهم الدينية والسياسية والإيديولوجية، أكثر مما يهدف إلى البحث عن الحقيقة الموضوعية والمجردة. هكذا كنّا نجد أنفسنا أمام روايات متناقضة للحدث نفسه وللواقعة إياها، أو أمام إسقاط شخصي وعاطفي على بعض المحطات المهمة من تاريخنا، بما يعلي من شأنها عند البعض ويحط من ذلك الشأن عند البعض الآخر. وإذا كانت الحقيقة نسبية وحمالة أوجه فإنه ذلك يجب ألا يقود البعض بأي حال إلى الشطط والغلو في الانحياز إلى «الحقيقة» الماثلة في رؤوسهم على حساب النزاهة والاتزان والتجرد من الأهواء. يتساوى في ذلك الذين رأوا إلى تراثنا العربي والإسلامي بوصفه يوتوبيا أرضية منزهة عن الأخطاء والآثام ونزعات التسلط والاستحواذ، والذين رأوا في هذا التراث مسرحاً واسعاً للكوابيس ومسلسلاً متعدد الحلقات للقتل والمذابح الجماعية وإلغاء الآخر المختلف. فنحن كأية أمة من الأمم ننتمي إلى الطبيعة البشرية الممزقة دائماً بين الملاك والشيطان، بين الفضيلة والرذيلة، ونجر وراءنا تاريخاً حافلاً من الوقائع والقيم والكشوف العلمية والأدبية والأخلاقية التي تركت بصمتها المؤثرة في غير بقعة من بقاع العالم.
على أنه ليس من العدل في شيء أن نرد فظاعات قوى التكفير والإرهاب القائمة بين ظهرانينا إلى عنصر دموي واستبدادي متأصل في الجينات الأصلية لهذه الأمة، أو أن نلصق ذلك بالإسلام الذي ألهم المجتمع الإنساني بعض أجمل تجلياته الروحية والمادية والمعرفية. لا بل إن الحقبة السابقة على الإسلام سميت بالجاهلية ليس لافتقار العرب إلى العلوم والآداب واللغة الرفيعة، كما يذهب الكثيرون، بل لافتقار العرب إلى الحلم الذي جعله الدين الجديد ديدنه ودأبه وهدفه الأسمى. وإذا كانت تسمية الإسلام تعكس فيما تعكسه التسليم للخالق بشؤون الوجود والكينونة، فهي من جهة ثانية تحثُّ على السلم والوئام بين البشر.
سيكون من الصعب أن نبرئ تاريخنا العربي من انحرافات البعض وأخطائهم المميتة، أو نغض النظر عن زهق أرواح العديد من الشعراء والكتّاب والفلاسفة بسبب آرائهم الدينية أو السياسية، كما حدث لعبدالله بن المقفع وبشار بن برد وأبي منصور الحلاج وغيرهم.. وقد يكون من الصعب أن نبرئ النهر في جريانه الطويل من شبهة التلوث بالكثير من الوحول والسموم. ولكن ليس من الصعب أن نعود إلى الوراء قليلاً لنرى في الينابيع صفاء صورة الإسلام وجوهره القائم على التسامح والعدل والمحبة بين البشر. ولن تنقصنا في هذه العجالة الآيات الكريمة التي تحث على الحوار والسجال الفكري المنفتح: «وجادلهم بالتي هي أحسن»، أو على رحابة الصدر والقلب «ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك»، وغيرها الكثير ممن لا يتسع له المقام. وإذا كانت الأحاديث النبوية الشريفة تحثُّ من جهتها على المحبة وربط الدين بالمعاملة واعتبار العمل للخير العام معياراً أساسياً من معايير العلاقة بالخالق، فإن فتح مكة كان الترجمة العملية للتسامح الإسلامي حين انتظر مشركو قريش أن تنالهم من الرسول الأكرم كل وجوه الانتقام والثأر والعقاب القاسي على ما ارتكبوه بحقه وحق المسلمين من كبائر، فلم يأتهم سوى الغفران والأمان والطمأنة على النفوس والممتلكات، مختزلة بقولته الشهيرة «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
ولم تكن الحضارة العربية الإسلامية لتبلغ ما بلغته من الازدهار في العصرين الأموي والعباسي لو لم تُعِرْ سمعها لكل أصوات القوميات والثقافات الوافدة من فرس وروم وأتراك وغيرهم من الأعراق والهويات التي أعطت البشرية أحد أجمل عصورها الذهبية. وكما في الشرق الذي تلقف عشرات الأسماء غير العربية في مجالات الطب والشعر والفلسفة والكيمياء والفلك، كذلك في الغرب حين شكلت الأندلس عبر ثمانية قرون متعاقبة صورة مشرقة وشبه فردوسية عن علاقة الأنا بالآخر، وعن التضافر الخلاق بين الأديان والإثنيات المتغايرة. وقبل أن تضع محاكم التفتيش والأصوليات التكفيرية الغربية آنذاك حداً لتلك التجربة الفذة كان المسلمون والعرب يفتحون قلوبهم وعقولهم للجميع، بمن فيهم اليهود الذين تركوا لهم الهامش الأوسع من الحرية والأمن والإسهام الفعال في بناء تلك المساحة الفريدة من الازدهار والتفتح المستنير، متناسين ما ألحقه هؤلاء بالدعوة الإسلامية من أذى وتآمر مزمنين. إن التطرف والاستبداد والعنف الدموي ليس قدر العرب والمسلمين الأبدي، ولكن الطريق نحو الديمقراطية والالتحاق بقيم العصر يحتاج شقُّها إلى الكثير من المكابدات، ويحتاج قطعها إلى كلمتين سحريتين اثنتين هما: العقل والحرية.