لم تكن سير الشعراء والكتاب والفنانين في أي عصر من العصور خالية من الشوائب والعيوب، ولا شكلت سلوكياتهم نماذج للفضيلة يحذو حذوها القراء والمتابعون ويعتبرونها مثالاً أعلى للقيم وأنماط العيش. لا بل إن المبدعين بوجه عام هم البشر الأقل تكيفاً مع الأخلاقيات والعادات الاجتماعية السائدة التي يرون فيها تكريساً عملياً لغلبة الأقوياء، ومحاولة لتأبيد استحواذهم على السلطة تحت لافتات دينية وقانونية مضللة. ولأن هؤلاء المبدعين كانوا يرفضون التدجين والقبول بالأمر الواقع والانضمام إلى أوركسترا «الثغاء» الامتثالي فقد ظلوا موضع ريبة وتوجس من قبل السلطات الحاكمة في بلدانهم، بما جعل هذه الأخيرة تعاقبهم بالسجن أو النفي أو الاضطهاد والإفقار، وصولاً إلى الاغتيال والتصفية الجسدية حيناً والمعنوية حيناً آخر.
كذلك كانت حال ابن المقفع الذي رأى الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور في كتاباته الجريئة ضد تعسف الحكام شرارة للتمرد والرفض وجب إخمادها قبل أن تتحول إلى حريق شامل. وكذلك كان الأمر مع بشار بن برد والحلاج والمتنبي والسهروردي وعشرات الرافضين لقيم الخنوع والإذعان، أو الداعين إلى تحرير العقل من القيوم المرهقة التي تعيق سعيه إلى التطور والتنوير. لكن العنف ضد الشعراء والمبدعين لم يكن ظاهرة عربية ومشرقية محضة، بل إن وجوهه المختلفة تبدت لدى الكثير من مجتمعات العالم وأصقاعه بحيث دفع هؤلاء بشكل باهظ ثمن مناهضتهم للسلاطين ودفاعهم الضاري عن الحرية.
على أن ما هو أمرُ وأدهى من تآمر الطغم الحاكمة على المبدعين هو تواطؤ المجتمعات مع سلطاتها لتشويه صورة هؤلاء. وإذا كانت بعض المجتمعات تذهب إلى تقديس الموتى وتنزيههم من كل عيب، في محاولة رمزية لإحياء التقاليد القديمة المتعلقة بعبادة الطواطم وأرواح الأسلاف، فإن ما يحدث الآن هو النقيض التام لهذه الطقوس. فالرغبة في قتل الرموز العليا للأمة تتفاقم يوماً بعد يوم وتتحول إلى نوع من السادو- مازوشية، حيث تتداخل الرغبة في تدمير المثال الأعلى مع الرغبة في تدمير الذات وتشويهها وإفراغها من كل قيمة جمالية ومعنوية. وإلا فكيف نفهم، على سبيل المثال لا الحصر، الحملة الضارية التي شنها الكثير من الألمان، وكثر آخرين ضد الكاتب الألماني الشهير ضد غونتر غراس بحجة انتمائه إلى الحزب النازي في الفترة القصيرة التي تلت اندلاع الحرب العالمية الثانية. والطريف في الأمر أن غراس نفسه هو الذي ذكر هذه الواقعة في مذكراته، وبنبرة اعتذارية تشي بالرغبة في التطهر من عقدة الذنب التي لازمته طوال عقود من الزمن. وكيف لنا أن لا نربط بالطبع بين المواقف المشرفة لصاحب «الطبل الصفيح» من قضايا العالم العادلة، وبينها القضية الفلسطينية، وبين سعي البعض إلى تشويه سمعته وتقويض ما يمثله على مستوى الإبداع العالمي؟
في السياق نفسه يمكن أن نضع الإساءة البالغة التي وجهها أحد الصحفيين اللبنانيين لفيروز قبل أسابيع قليلة. إذ إن طعن شاعرة الصوت من الجهة المتصلة بأخلاقياتها وسلوكها الاجتماعي، كالحديث عن غرورها واستعلائها وحبها للمال وكرهها للبشر، ليس في حقيقته سوى محاولة لتهشيم بعض آخر الرموز المضيئة في المجتمعين اللبناني والعربي، وبخاصة في هذا الزمن القاتم الذي أوصلته وحشية بعض الأنظمة الغاشمة، كما عنف التكفيريين الأعمى، إلى حضيضه الأخير. وفي السياق نفسه أيضاً يمكن لأي متابع حصيف لمجرى الأمور أن يمنع الهجوم الشرس على بابلو نيرودا، الذي شكل شعره على المستويين الإنساني والجمالي قيمة مضافة إلى شعرية العالم السابقة. صحيح أن أحداً الآن لا يملك المعطيات القاطعة التي تدحض ادعاء بولين سلوت حول موقف الشاعر العدائي وغير الأخلاقي من ابنته المعوقة مالفا مارينا التي توفيت في سني حياتها الأولى بسبب مرض مميت في الدماغ، ولكن اتهاماً خطيراً كهذا لا يمكن إلا أن يوضع في خانة النيل من الرموز الأكثر فرادة التي عرفتها الإنسانية في عصورها الأخيرة. ولو كانت هذه الواقعة قد حدثت بالفعل فلماذا لم يتم الكشف عن تفاصيلها من قبل، وهي تتعلق بشاعر كبير من وزن صاحب «النشيد الشامل» و«سيف اللهب»، لا بشاعر هامشي ومغمور. وإن المرء ليتساءل في هذا الإطار عما إذا كان الجنس البشري برمته يرغب في الهبوط إلى درك «الظلام الشامل» بحيث تتحول داعش وأخواتها إلى أسماء حركية مختلفة للتخلف والعنف وتدمير الروح التنويرية لعالم اليوم. ولنا أن نسأل في نهاية هذه المقالة: من سيكون الضحية التالية بعد بابلو نيرودا؟

شوقي بزيع