لم يمر اسم فرانز كافكا مرور الكرام على أسماع الكتّاب والمتابعين من مثقفي عصره الذين تلقفوا كتاباته بالقراءة والتفحص النقدي والاهتمام البالغ، ورغم أن الكاتب التشيكي الشهير لم يكن غزير الإنتاج، شأن غيره من الروائيين، إلاّ أن ما حظيت به أعماله من النقد يفوق بأضعاف الحظوة التي أصابها معاصرون له لم يمر وقت يُذكر على غيابهم حتى انطوت أسماؤهم في أدراج النسيان. وقد يكون الأمر عائداً إلى قدرة كافكا الفائقة على سبر أغوار النفس البشرية الممزقة بين الخيارات المتناقضة من جهة، وإلى تمثُّله العميق لواقع الحضارة الغربية التي تحولت إلى آلة هائلة للجشع والتطور المادي والعلمي، فيما تحت سنابكها الثقيلة يتم طحن الإنسان المعاصر وسلبه كل أمل بالسعادة ونقاء الروح. وقد عكست رواية «المحاكمة» حالة الاستلاب التام التي يعيشها المرء في عالم القرن العشرين الذي تلتبس فيه مفاهيم العدالة والحرية إلى الحد الذي يوضع فيه المواطن (ك) داخل قفص الاتهام وتجري محاكمته على ذنب لم يقترفه، وصولاً إلى إدانته وإعدامه دون أن يعرف السبب. أما رواية «المسخ» التي تتلخص في تحول ساسا، الموظف البسيط في إحدى الشركات الكبرى، إلى صرصار فتكشف بدورها عن محنة الإنسان المعاصر في المجتمع الرأسمالي الذي يحوله إلى رقم مجرد أو تفصيل بسيط وضئيل في هرم العلاقات القائمة .

ومع أن كتباً كثيرة قد تناولت شخصية فرانس كافكا وأعماله بالنقد والتحليل، فإن كتاب الناقد الألماني الياس كانيتي «محاكمة كافكا الأخرى/‏رسائل كافكا إلى فيلس» هو واحد من أبرز الكتب وأكثرها جرأة في العثور على العلاقة التي تربط بين حياة كافكا الشخصية و أعماله الروائية. ومع أن صاحب «أصوات مراكش» الذي يتمتع بثقافة موسوعية عالية يعرف تماماً أن العمل الأدبي يدرك بذاته وبعلاقاته اللغوية والمفهومية الداخلية، إلاّ أن ذلك لم يمنعه من البحث عن الدوافع النفسية والحياتية التي تقف وراء كتابي كافكا المتميزين «المحاكمة» و«المسخ»، منقّباً في سيرة الكاتب الشهير وبخاصة في علاقته بفيلس بوير التي دفعته إلى ذرى التوتر والانقسام على النفس إلى درجة الفصام الكامل. ولم يكن لكانيتي أن يعثر على ضالته في البحث والتحليل لو لم تعمد المرأة التي اكتفى كافكا بالإشارة إليها بحرف F، كمعادل رمزي للحرف K في رواية «المحاكمة» والذي اعتبره النقاد الحرف الأول من اسم صاحب «في مستعمرة العقاب»، إلى بيع الرسائل التي وجهت إليها لناشر كتب كافكا قبل رحيلها بسنوات خمس.

تكشف رسائل كافكا إلى فيلس بوير عن شرخ عميق في شخصية الكاتب المتبرم من نفسه ومن العالم، شأنه في ذلك شأن الكثير من المبدعين الكبار الذين أقاموا على خطوط التماس بين العبقرية والمرض، وبين الإبداع والجنون. وهو ما يعبر عنه كافكا بقوله «يا لهذه الأمزجة التي تلم بي أيتها السيدة بوير، إذ يسقط عليّ باستمرار وابل من العصبية، وما أريده في لحظة أمقته في اللحظة التالية».
وعلى امتداد الرسائل الكثيرة التي أرسلها إلى المرأة التي ربطته بها علاقة خطبة، تم فسخها غير مرة، يعبّر كافكا عن تبرمه من الارتباط الرسمي بالمرأة التي أحبها، فهو تارة يتذرع بكونه مخلوقاً بارداً وتعيساً وقاسياً بما لا يتيح له إسعاد المرأة التي تشاركه حياته. ويتذرع طوراً بعدم قدرته على تربية الأطفال وتحمل مسؤولياتهم الجسام، وطوراً آخر بخوفه من حرد الكتابة وخيانتها له في ظل وجود أحد آخر إلى جانبه، لذلك فهو يخاطب فيلس بالقول: «ذكرت مرة أنك تحبين الجلوس إلى جانبي وأنا أكتب، فهل لاحظت في تلك الحالة أنني لم أستطع الكتابة». لكن اللافت في هذا السياق هو تعلق كافكا بصديقة خطيبته غريت بلوخ التي كانت تتولى نقل الرسائل بين الطرفين والتي أعجبت برسائل الكاتب قبل أن تستمرئ الدخول طرفاً في اللعبة العاطفية الثلاثية.
يذهب إلياس كانيتي في كتابه عن كافكا إلى أن رواية «المحاكمة» لم تكن في بعض وجوهها سوى نوع من المحاكاة للمحاكمة العاطفية القاسية التي أجرتها فيلس وأختها إرنا وغريت بلوخ ضد تقلب كافكا وسلوكه غير الأخلاقي بحق خطيبته المكلومة في العمق، وبخاصة بعد إلغائه عقد الخطوبة. كما أن كانيتي يقيم في غير مكان من الكتاب تناظراً شبه متطابق بين الحوارات المتوترة التي شهدها لقاء كافكا بفيلس وعائلتها وصديقتها والتي حكمها شعور عارم بالذنب من قبل الخطيب المنسحب، وبين رواية «المحاكمة» التي اختار المؤلف لبطلها الحرف الأول من اسمه الشخصي، وبدا من خلال الحكم على بطله بالإعدام وكأنه يريد أن ينزل بنفسه العقاب الذي يستحقه.
على أن هذه المحاكاة بين الحياة واللغة لا يسقطها إلياس كانيتي على رواية «المحاكمة» وحدها، بل ينقل تأثيراتها إلى رواية «المسخ» التي لم تولد فقط من رحم انسحاق الإنسان تحت سنابك العالم الرأسمالي المتوحش، بل من شعور كافكا المرير بهشاشة جسده المريض وروحه الآخذة في التضاؤل.


شوقي بزيع