عادي

عبد الرحمن الجبرتي..مؤرخ الحملة الفرنسية

«عجائب الآثار».. مدونة وثائقية للحظة مصيرية
04:09 صباحا
قراءة 6 دقائق
إعداد: محمد إسماعيل زاهر

عندما نتذكر المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي فنحن نستحضر تلك السنوات الفاصلة بين مرحلتين في تاريخ الثقافة العربية، مرحلة ما قبل الحملة الفرنسية، وما بعدها. عندما نتذكره مرة ثانية يقفز إلى الذهن ذلك التحديد المعروف والذي حددته عشرات الكتب والمصادر لبدايات التاريخ العربي الحديث بعام 1798. وعندما نطالع كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» سنجد أنفسنا أمام آخر وأهم كتابة تاريخية كلاسيكية في تدوين الوقائع والأحداث، كتابة لم تعرف التسييس، وهو ما أدى إلى أنقسام الآراء حولها وحول صاحبها. أما إذا دققنا في سيرته ومواقفه فسنفتح الباب لجدل آخر حول علاقة المثقف بالآخر، وعلاقته مرة أخرى بالسلطة. لم يؤرخ الجبرتي لنهاية زمن ثقافي وحضاري وبداية زمن مختلف وحسب، ولكنه، فتح الباب واسعاً لكل الإشكاليات التي ستطرحها الساحة الثقافية العربية على بساط البحث في القرنين اللاحقين، وكأن التاريخ منذ لحظة الجبرتي وحتى لحظتنا يراوح حول نفسه.
يصف الجبرتي سنة ثلاثة عشرة ومئتين وألف هجرية، عام دخول الحملة الفرنسية مصر، بالقول: (وهي أول سني الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة، والوقائع النازلة، والنوازل الهائلة، وتضاعف الشرور، وترادف الأمور، وتوالي المحن، واختلال الزمن، وانعكاس المطبوع، وانقلاب الموضوع، وتتابع الأهوال، واختلاف الأحوال، وفساد التدبير، وحصول التدمير، وعموم الخراب، وتواتر الأسباب، «وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون»)، اللافت أن هذا النص بتنويعات مختلفة نجده لدى ابن الأثير وهو يكتب عن الهجمة التترية على العالم الإسلامي، ونعثر عليه مراراً وتكراراً بكلمات مختلفة وصيغ مقاربة لدى العديد من المثقفين الحداثيين عندما يتناولون وقائع الهزائم المتتالية أمام الآخر في العصر الحديث، واللافت أيضاً أن مؤرخنا وهو يكتب بحس درامي مأساوي عن الخراب الذي حل بمصر نتيجة للحملة الفرنسية، ينتقد أيضاً قرون طويلة من حكم العثمانيين والمماليك، تميزت بظلم الشعب وعزله عما يحدث في أرجاء العالم كافة، حتى أن قادة أحد المماليك أقسم أن جنوده سيكسرون عساكر الحملة في لمح البصر كالمعتاد، في إشارة واضحة إلى عدم معرفته بالتطور العسكري والتقني الذي ميز الجيوش الحديثة آنذاك، وفي دلالة واضحة على أن الآخر المعروف لذلك القائد هو ذلك الغرب الذي هزمته دولة المماليك بسهولة أثناء الحملات الصليبية.

تجول وتأمل

ولد عبد الرحمن الجبرتي في القاهرة في عام 1167ه/1754 م، كان والده حسن الجبرتي من شيوخ الأزهر، وكان على جانب كبير من الثراء، وحفظ مؤرخنا القرآن الكريم في طفولته، وعشق رواية الأحاديث والأخبار، ودرس في الأزهر، وعكف على خزانة والده المملوءة بالكتب في علوم الفلك والحساب والهندسة، وسافر كثيراً في مختلف ربوع مصر، ويبدو أنه كان كثير التجول والتأمل، فكتابه لا يمتلئ بوصف دقيق للشوارع والحارات، الأسوار والمساجد والخانقاوات، الحمامات والأسواق..إلخ، ولكنه يتضمن كذلك العديد من الأحكام النقدية والقيمية، ولعل أهمية الكتاب والجدل الدائر حتى الآن حوله يعود إلى هذه النقطة تحديداً.
تعود فكرة اشتغال الجبرتي على كتاب يؤرخ لمصر إلى عام 1203ه/ 1788م، حيث طلب منه أستاذه مرتضى الزبيدي أن يساعده على الترجمة لأعلام القرن الثاني عشر الهجري، وكان مفتي دمشق محمد خليل المرادي قد سأل الزبيدي معاونته في معجم يضم أولئك الأعلام، ولم يلبث الزبيدي أن توفي في عام 1205ه/ 1790، ولحق به المرادي بعد عام واحد فقط، وظلت فكرة كتابة تاريخ مذيل بالتراجم على عادة المؤرخين في ذلك الوقت مهيمنة على عقل الجبرتي، وبعد نزول الحملة الفرنسية أرض مصر في عام 1213ه/ 1798م، دون الجبرتي مذكرات أطلق عليها «مدة الفرنسيس بمصر»، وهي أصل كتابه المعروف «مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس» الذي بدأ في كتابته بعد رحيل الحملة، واشترك فيه مع الشيخ حسن العطار، وسيشكل هذا الكتاب بعد تعديله وحذف إضافة العطار، الجزء الثالث من كتابه الأهم «عجائب الآثار في التراجم والأخبار».
ينقسم كتاب «عجائب الآثار» إلى ثلاثة أجزاء، يبدأها منطلقاً من مفهوم خلدوني للتاريخ، فالعدل أساس العمران، يقول: «إنما يسمى الإنسان عادلاً لما وهبه الله قسطاً من عدله وجعله سبباً وواسطة لإيصال فيض فضله واستخلفه في أرضه بهذه الصفة حتى يحكم بين الناس بالحق والعدل»، وبعد أن يفصل هذه الفكرة من خلال الكثير من النماذج، يستعرض لاهثاً تاريخ مصر، ولا يبدأ التأريخ الحولي المفصل المصحوب بتراجم الوفيات إلا من عام 1106ه، لقد كان يدرك أن عظماء المؤرخين مثل المقريزي والسيوطي وابن إياس وابن تغري بردي، برعوا في تدوين التاريخ، ولم يتبقَ له من شيء يمكن أن يضيفه إلى هؤلاء، سوى وقائع ومشاهير القرن السابق عليه والذي يبدو أنه كان يخلو من المؤرخين المهمين، حتى أنه يشير في كتابه إلى مروره بشواهد قبور الراحلين وسؤاله المعمرين حتى يتمكن من ضبط تراجمه لأعلام القرن الثاني عشر الهجري.
تعود أهمية الكتاب اللافتة الذي ألفه مؤرخنا خلال الفترة من 1805 و1820، إلى أنه المرجع الأساسي لمحاولة النهضة المؤودة التي قادها علي بك الكبير( 1768-1773)، والذي حاول الاستقلال بمصر عن السيطرة العثمانية، وهو كذلك مرجع شديد الأهمية بالنسبة لوقائع الحملة الفرنسية، فضلاً عن جرأة لا مثيل لها في تناول حقبة محمد علي حتى عام 1820.
يظهر الجبرتي تعاطفه الكبير مع محمد بك الألفي ويسرد سيرته في 25 صفحة ويصور جزعه على مصر لحظة وفاته وخوفه من وقوعها فريسة في يد محمد علي، بل أنه ينتقد موقف طبقة كبار رجال العلماء من تصرفات محمد علي التي كان يراها ظالمة، حتى يقول عن نفي هذا الأخير لعمر مكرم بعد أن ساعده على الوصول إلى السلطة: «فإن الذي وقع له بعض ما يستحقه، ومن أعان ظالماً سلط عليه، ولا يظلم ربك أحدا».
لقد كان معيار العدل وراء أسباب معارضته لمحمد علي، ووراء تحفظه وبروده تجاه إنجازاته، حتى أنه يعلق على تعمير محمد علي للإسكندرية قائلاً: فلو وفقه الله لشيء من العدالة على ما فيه من العزم والرياسة والشهامة والتدبير والمطاولة لكان أعجوبة زمانه وفريد أوانه». لقد وجد الجبرتي أن حال البلاد لم ينصلح ليتطابق مع أحلامه بالعدل مع محمد علي باشا، خاصة بعد المرور بتجربة الحملة المريرة، وما سبقها ولحقها من سنوات سادت فيها الفوضى البلاد، ومما زاد من مأساته مقتل ابنه خليل في ظروف غامضة، وقيل عن الحادث إنه كان من تدبير محمد علي، مما قصم ظهر مؤرخنا حتى وفاته بعد ذلك بثلاثة أعوام في 1825.

تميز خاص

العدل هو القيمة المركزية في تناول الجبرتي للوقائع والأحداث والشخصيات، بل إن الجبرتي انفرد بين المؤرخين المسلمين برصده لسنوات عدة لم يقع فيها إلا الظلم، أو «البلاء المتراسل» على حد تعبيره.
في الكتاب بإمكانك أن ترى طوائف المجتمع المصري كافة، وبإمكانك أن تستمتع برأي الجبرتي في الجميع، ففي «عجائب الآثار» هناك الحكام من المماليك والعثمانيين، علماء الأزهر، المتصوفة، أرباب الحرف، وحتى البسطاء، ووصف مفصل لعمارة القاهرة، ووصف آخر للتغيرات التي أحدثها الفرنسيون، مثل توسيع الشوارع وخلع أبواب الحارات..إلخ، وفي الكتاب ذكر للأحوال الاقتصادية من تجارة وزراعة، وتتعرف إلى أنواع النقود المتداولة، وإلى الأسعار ومختلف مظاهر الحياة الاجتماعية.
الكتاب مدونة لا مثيل لها لوقائع الحملة الفرنسية، منذ بدء تواتر الأخبار عن وصول «الفرنسيس» إلى سواحل الإسكندرية، وتشعر أنك تقرأ رواية أو تشاهد أحد الأفلام وهو يرسم لك لحظات الهرج والمرج خلال دخول الحملة إلى القاهرة، فضلاً عن خريطة للقوى الفاعلة في المدينة وتفاعلها مع الحملة، حتى أنه يصف لك مواقع الدور المخربة والبيوت المهجورة، وما حدث للهاربين من المدينة، ولا يتمالك نفسه من الأنبهار أحياناً تجاه ما جلبه الفرنسيون معهم من علوم ومعارف، فضلاً عن أنظمتهم الإدارية فيما يتعلق بتسجيل المواليد وإدخالهم لفكرة الحجر الصحي في حالة الأوبئة، وهي الفكرة التي لم تكن معروفة آنذاك في مصر، وفي أحيان أخرى تجده يقرظ تصرفاتهم في بعض المواقف، وينتقدهم بقسوة في مواقف كثيرة، خاصة في أخلاقهم وما قاموا به من عنف شديد خلال ثورتي القاهرة الأولى والثانية، ويرصد تأثير الحملة كاحتلال وثقافة مغايرة في سلوكيات مختلف طبقات الشعب، ولا يتورع من منطق الشغف بالجديد المغاير أن يذهب إلى المجمع العلمي ليشاهد تجارب علماء الحملة.
لم يكن الجبرتي في الواقع يؤرخ لاحتلال أجنبي، ولكنه كان يؤسس لكل المطروح في الساحة الثقافية العربية بعد لحظته الزمنية، ولا يمكنك أن تستحضر قضية واحدة من إشكاليات الفكر العربي الراهن إلا ويطل من ورائها الجبرتي بقوة، ففي كتابه ستجد جذور مختلف التيارات الفكرية، الإصلاحية والليبرالية، المنعزلة والمنفتحة. وفي كتابه تقفز إلى ذهنك مراوغة مفهوم الآخر، والأهم صعوبة إدراكه والتعامل معه، هو المستعمر القادم بالمدفع، وهو النموذج الحضاري الذي جلب معه المطبعة. وبين سطوره نقرأ نقداً عنيفاً للذات، تلك التي أهملت قيمتها المركزية، العدل، فتعرضت للتدهور الانحطاط، وفي لفتاته والكثير من كلماته حس مبكر بضرورة النهضة، وفي سيرته ستجد ذلك المثقف الذي يمتلك رأياً قوياً تجاه مختلف الحكام، هو يقترب منهم أحياناً، ويرفض سطوتهم في أحيان أخرى.
لقد تحول كتاب «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» إلى عمل مؤسس لكل من يريد القراءة أو التأليف عن علي بك الكبير أو الحملة الفرنسية أو السنوات الأربع اللاحقة لها، وفضلاً عن ذلك هو كتاب فكري مؤسس في الثقافة العربية الحديثة، كتاب يحتاج إلى أكثر من قراءة وأكثر من زاوية نظر.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"