في شامخ خضر حيابه عالي ملثم بالسحب دوم
لو مثلها يازم خرابه عيب علينا البيع والسّوم
من يتحزم بحب الوطن عليه أن يتوسد الوجع وينتظر التعب: يشقى بحبه ويشقى بالخوف عليه، فالوطن هم والوطن حب والوطن جهاد والوطن أحلام جميلة.
أحمد بن سليم أحد الذين أشقاهم هذا الحب، عاش فيه وعاش بعيداً عنه، انتمى إليه بمختلف الصفات وجرّب فيه كل الوصفات، مرة تاجر حر، ومرات موظف دولة، ومرة مواطن يختلف مع السلطة، مرة مهادن، ومرة مشاكس، مرة ينتقد الأوضاع، ومرة يتولى الوزارة فينتقده الناس، في كل أحواله كان منتمياً للوطن، عاش تعبه وجوعه في الأربعينات، وعاش منفياً منه بأمر الانجليز، وعاش ليشهد مجده في حلم الاتحاد ويكون واحداً من أبطال تلك اللحظة التاريخية، وما بعدها.
تغرّب عن الوطن في لحظة مبكرة من حياته، عاش في الهند مرغماً، هناك تعلّم وقرأ وناقش وكتب وعرف الحياة واشتغل في الإذاعة الهندية الناطقة بالعربية مذيعاً يسمعه أهله في الخليج،، لكن العالم الجديد الذي وجد نفسه فيه لم يشغله عن أرض ديرته وسمائها وحنينه إلى تلك المرابع، سيطرت عليه خلجات الشاعر مرات ومرات، وهناك قال فيها أجمل القصائد وأكثرها وجعاً ولوعة. فمن هناك، من الهند وهو بعيد عنها عزف لها متعباً، معاتباً، عاشقاً، ولهاناً، خائفاً مشتاقاً إليها، إنها ديرته، ولو تبدلت وتغير حالها، تخيلها في أسوأ حالات المدن من غير مجد ولا صيت ولا ناس، وتصور حاله معها في لحظتها، وماذا خلص؟ بثها في مشاعر وموقف وأبيات: عيب عليه حتى لحظة التفكير ليس في البيع إنما أدنى من ذلك في سومها وعرضها.
هل هناك أبشع من العيب عند الرجال، وهل هناك في عالم البيع أصغر من مؤشر العرض والسوم؟!
ديرته دبي حتى وهو مهاجر عنها، محباً ومشتاقاً من جانب ومشحوناً نصف قلبه بالزعل والعتب، لا تغيب، ولا تتبدل مكانتها، يلوم الدهر صار هذا الدهر نمريدي، يتعبه الشوق لها، يبحث عنها حتى في رحلة الهواء:
يا هبوب الغرب يا شافي
فيك من لوطان رياها
حفظ لنا الشاعر الراحل حمد خليفة بوشهاب بعض روائع قصائد ابن سليم في سفره الخالد تراثنا من الشعر الشعبي، وجاء مهرجان دبي للشعر بعد ربع قرن من النسيان، ليبدأ أولى سنوات مجده بليلة لأحمد بن سليم ولينشر أول ديوان محدود التداول للشاعر ويزيل عنا (عيب) ألا نتذكر مثل هذا الشاعر الأديب وهذه الشخصية الوطنية.
ولولا جهود أدباء مثل: عبدالله الطائي والدكتور أحمد المدني وعبد الغفار حسين وإبراهيم بوملحة وبلال البدور وسلطان العميمي وجمال بن حويرب وإبراهيم الهاشمي، وما قاموا بجمعه ونشره من بحوث وكتابات لضيّعنا هذه القامة من صفحات ثقافتنا. تبقى حياة وشعر واحد مثل أحمد بن سليم قصة جميلة قصّرنا في أن نكتبها ونرويها لنا ولأجيالنا ولمن يهتم بأدب هذه المنطقة وتاريخها.
مصيبتنا أننا نشرنا وترجمنا واشترينا من كل الثقافات وفي كل الفنون والمعارف وتنافسنا فيما بيننا من يغالي ويشتري ويكسّب دور النشر والقنوات الأجنبية، وكنا وما نزال نقف مشدوهين عند كل من ينزل علينا بفكرة ولسان وشنطة، نفتح له الأبواب ونعطيه المبتغى، نظن أننا نحقق بواسطته غاياتنا ونرقى، ونسينا أو تناسينا أو جهلنا أن نقدم ثقافتنا ورموزنا الأدبية للآخرين وقبل ذلك نقدمها لأهلها في الداخل، غرّر بنا ذلك الآتي يبيع لنا كل الأشياء الجاهزة حتى الثقافة.
اليوم المؤسسات الثقافية والفنية والإعلامية في دولتنا أكثر من بقالات الفريج، وواحد مثل أحمد بن سليم أو الخضر أو ابن ظاهر أو الهاملي أو الجمري أو عوشة بنت خليفة السويدي فتاة العرب، أو سلطان العويس لا يستحقون أن نكتب سير حياتهم أو نبحث في إبداعهم أو ننشر لهم ولو ديواناً قديماً نجدد إصداره، لا يستحقون ولو برنامجاً إذاعياً أو تلفزيونياً يزيل الغبار عنا وعن إبداع لهم منسي، ونحن الذين دعمنا ورعينا واشترينا وأنتجنا للشرق والغرب، الجيد والغث، ونملك محطات وقنوات من كثرتها لا نحصي ولا نتذكر أعدادها وأسماءها.
يكفي أحمد بن سليم غربة في أول عمره، لا تساهموا في غربة ثانية له وهو تحت الثرى، هذه المرة في وطنه.
غربة الوطن مرة وصعبة..يا إعلامنا ويا مؤسستنا الثقافية.