الجيل الذي ولد وكبر، وهو يشاهد الدكتور عبدالله عمران تريم وزيراً للتربية والتعليم يزوره في مدرسته أو يشاهده مساء كل ليلة تقريباً على شاشة التلفزيون قرب المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه في مناسبة وطنية تقام في بقعة ما من هذا الوطن، لا يمكن أن ينسى تلك الصورة لأنها صدى طفولته وشبابه وذاكرة أيامه الجميلة، ومدرسته الأولى التي علمته معنى العلم وقيمة الحياة وأمنية المستقبل المشرق، لا يمكن أن ينسى اسم وملامح ذلك الوزير، الشاب الطويل الأنيق المتحدث اللبق في كل حالاته .
والجيل الذي كبر وهو يقرأ "الخليج" لا تزال تسكنه نبرتها القوية في حديثها عن الإمارات، وتعزيز مفهوم الوطنية ودفاعها المتواصل عن القومية، وعن "مانشيتها" الأول: فلسطين . رسخ اسمها ورسمها في وجدان ذلك الجيل الذي كان ولايزال يكبر ويتزايد، وبجانبها صورة تريم وعبدالله عمران .
لايمكن أن ينسى "الخليج" يوماً، لأنها أسهمت في صنع فكره وهويته وغذّت وطنيته وقوميته، وكانت ملهمته وضميره في أزمنة مختلفة اختلت فيها الموازين، فكان يبحث عندها عن الحقيقة والكلمة الصادقة .
لكن . . لتصبح "الخليج" هكذا، هوية وكلمة حرة ومدرسة في الصحافة، كانت رحلة طويلة، لم تكن سهلة في كل مراحلها، كانت متعبة مرهقة، حفّتها مخاطر لم يشعر بكل ذلك الهم وتعب المسيرة كل يوم مثل صاحبيها تريم وعبدالله عمران . أسسا "الخليج" وكانا يعلمان أن الطريق طويلة وفيها عثرات ومصاعب، ولقد كتبا رحمة الله عليهما قصة "الخليج" طوال السنوات الماضية، لعل باحثاً أو جيلاً من الأحفاد يأتي يوماً ويقرأ أن رحلة المجد والبناء والكلمة الصادقة والشهرة التي نالتها لم تكن سهلة أبداً .
في الشهور الأخيرة، والأمة تعيش أسوأ سنوات تاريخها، عاد الدكتور عبدالله عمران تريم يكتب مقالاته على الصفحة الأولى، وأخذت "الخليج" تنشر افتتاحيات مؤثرة، ضد كل أعداء الأمة، أو من يحاول أن يمس الإمارات أو أن يهدد وطنيتها .
لكن هل كان يهم "الخليج" ذلك؟ أبداً، لأنها تعودت على كيد أمثال هؤلاء وقصصهم وأساليبهم، وعرفت أن هذه الضريبة عليها أن تدفعها في كل مرحلة، ولأن من فتحوا حروبهم على الخليج الجريدة، فتحوا قبل ذلك نيران سمومهم على الخليج ودوله العربية، وعلى الأمة بأكملها .
كلمات الدكتور عبدالله عمران الأخيرة على صفحات "الخليج" كانت توصي بالوطن قيادته وترابه ومنجزاته، توصي به خيراً وتحذّر من الشر وأطيافه الذي تكالب على الأمة في هذه المرحلة من كل صوب تحمل ضيق المصالح الصغيرة أو المطامع التي تهدد الوطن القومي الكبير الذي مزقته رياح الفتن والإرهاب بكل أشكاله ومسمياته . كان يحذر من هذه العواصف التي تحاول أن تمزق التاريخ، وتهد ماتبقى من جدران الأمة وهيبتها، كان يحلم أن يصمد العربي ويقبض على وطنه ودينه الصحيح، وأن يزيل الغبار يوماً، لتعود الأمة العربية كما كانت تحافظ على كيانها وهويتها وماتبقى لها من كرامة، من أجل أحفادها . تعمّر ماتدمر، وتسعى نحو مستقبل أجمل، تبني ملامحه من جديد .
لم يكتمل الحلم، ورحل الدكتور قبل أن يشاهد هذا اليوم المنتظر . . رحمك الله يا أبا خالد .