تعاطفت مثل جمهور غفير مع رجل بث شكواه عبر البرنامج الإذاعي المباشر (الرابعة والناس)، كيف ان ذلك الرجل خدم سنوات طويلة، وبعد التقاعد واجهته مصاعب الحياة والأمراض، بينما راتبه التقاعدي بقي كما كان مقارنة مع غيره من المتقاعدين الذين شملتهم مكرمات الزيادة وتحسين أوضاعهم شكوى في محلها ونحن جميعا نعيش مرارة غلاء الحياة ومتطلباتها فكيف بهذا الرجل البسيط المتقاعد؟ ولولا تدخل المذيع بوراشد لواصل الرجل شكواه وواصلنا تعاطفنا معه، تدخله دائما يعني دفع المتصل إلى مزيد من الإفصاح أو الفضفضة، أو أن هناك أمراً لا يسير بشكل طبيعي خلال الحديث. فتوضيحاً لجزئية قالها المتصل وهي أننا خدمنا هذه البلد في زمن التعب ولم نحصل على شيء، رد عليه: كثيرون غيرك خدمها أكثر منك، إنها بلادهم وهذا واجبهم، لا يمنون ولا ينتظرون مقابل.

حاسة الإعلامي المتمرس عبدالله بن خصيف جعلته يقاطع هذا المتصل، يتداخل معه أكثر، عندما ذهب يدور يمينا ويسارا، يتهجم هنا وهناك، بكلمات يقطر منها الحسد، قال له المذيع: أنت حاسد انظر للغرباء الذين جاؤوا هنا وكونوا ثروات، لماذا تحسد اهلك؟.

لم يسلم منه احد

أول مرة اسمع بو راشد بهذه الحدة وهذا التداخل المتواصل، وأول مرة أيضا أسمع حاسداً يبث حقده مباشرة على الهواء، قال للمذيع: وأنت قالوا توزع صدقات وتعطي الناس، تتذكر يوم كنت.. أجابه: الحين رديت علي أنا، وسمح له أيضاً ان يبث تهجمه وأحقاده.

ختم المذيع تلك المكالمة الطويلة والبغيضة: لن تحصل على شيء وستزداد أمراضك لأنك حاسد، نظف دواخلك من هذا الغل، وقل الله يعطيني مثل ما أعطاهم. وأنهى الحوار معه.

صدمة كانت تلك المكالمة، ليس لأنها بثت وسمعها الناس، صدمتها أن الجميع استمعوا إلى صوت حاسد، كم يحمل من تشاؤم وأوهام وأمراض وصور مشوهة وسوداوية؟ وأيضا دلت تلك المحاورة على أهمية ان يكون المذيع واعيا محاورا مثقفا، مخلصا لمهنته ووطنه قبل ذلك. لو غير بوراشد تلقى مثل هذه المحادثة لبثها، وسمح لهذا الحاسد بأن يشتكي ويقول ما عنده دون تفنيد ودون كثير رد وتدخل ومقاطعة، هو سمح له ان يكون على الهواء ويقول ما عنده، وأيضا أعطى لنفسه الحق بما انه مسؤول ومحاور ان يكشف ما في نفس هذا الشخص، لتكتمل الصورة عند الجميع.

مثل هذا الحاسد مرضى كثر، ضاقت عليهم الدنيا، لأنهم يحملون قلوبا ضيقه، لا تعرف الحب ولا تتسع لاحتمال صورة الخير عند الغير.فلا احد يستحق النعمة والسعادة إلا هم، لا يؤمنون أبدا بالرضا والقناعة، ولا يفرحون الا إذا حلت المصائب بالناس الذين يعيشون قربهم، هم أعداء لأقرب الناس لهم، ومن غير ان يشعروا بذلك هم أعداء أنفسهم.

لا اعلم هل يملكون عواطف وخلجات؟ متى يحبون؟ ومن هذا البغيض الذي يمكن ان يحبه حاسد؟

مثل هؤلاء لا يطعمون السعادة ولا يشعرون بالرضا، وهم بيئة خصبة للأمراض والأوهام والتوتر والموت السريع، لان الشرايين المشحونة بالحسد لا تبث الدم ولا ينتظم نبضها، تذبل وتتوجع وتموت متعبة.

متى ما عرفتموهم، متى ما سمعتموهم، متى ما فرضت عليكم الظروف الجلوس إليهم، نصيحة اقرؤوا في دواخلكم سورة الفلق مرات.. وتعوذوا بالله منهم ومن شرهم، إنهم في كل مكان.

[email protected]