أول مرة يغيب عنا سلطان هكذا، نحن الذين عشنا طفولتنا وشبابنا وأحلامنا في زمن سلطان .
في كل مرحلة من سنوات أعمارنا كنا نراه في صورة تعبر عن مكانته فينا، مرة عندنا هو الحاكم، ومرة نراه المعلم ومرات هو الأب، ودائماً هو الأستاذ المثقف .
كل مرة نراه الأقرب لنا، زرعه الله في قلوبنا بكرمه وعدله، وإخلاصه في خدمة أهله وبلده، ومحبته للخير . نراه كل يوم، نسمعه، نتأمله، نشعر به، نتعلم منه دائماً ولا نزال، فكل معلم ثقافي، كل صورة ولوحة، كل مسرح، كل نشاط أدبي، وكل صرح علمي يحمل بصمة سلطان هو الذي خطط له وهو الذي حدد المكان وهو الذي انتظر اللحظة التي يكتمل فيها، وهو الذي فرح به قبل الجميع، وأينما توجهت اليوم في اتجاهات الشارقة، في مدنها، في قراها وجبالها تجد كياناً ثقافياً راسخاً يحمل رؤية سلطان لهذه المدينة ولإنسانها ولأجيالها القادمة .
لم ترتبط مدينة في العصر الحديث بهوية مثلما هي الشارقة وارتباطها بالثقافة . سلطان هو الذي أعاد تشكيلها وصنع هويتها الثقافية، حلم بها كما هي الآن، هو الذي بناها كل هذه السنوات، هو الذي سهر من أجلها لياليها في صيفها، وشتائها، تعب عليها كثيراً حتى وصلت إلى هذا الحاضر .
وهذا هو البناء الأصعب، لأن الثقافة صناعة معقّدة، تحتاج إلى زمن طويل ومجهودات، هكذا هي صورتها في سرد التاريخ، حالها في مختلف العصور وفي كل الحضارات عملية شاقة، لأنها تعنى ببناء الفرد أولاً، فتشييد مسرح وتكوين مكتبة وبناء جامعة أمر سهل مقدور عليه في عصر المال والثروات، ولكن ان تكون الثقافة مشروعك المستمر، وحلمك الذي لا تملّ من السعي له وانتظاره، أن تستثمر لتبني إنساناً مثقفاً، تصنع مجتمعاً واعياً مهتماً بالفكر والعلم، أن يقبل على الثقافة وتكون شاغله وشغفه وحياته التي يطالعها ويعيشها كل يوم، هذا هو التحدي وهنا تكون الإرادة الحقيقية .
لهذا عندما غاب عنا فجأة، وسمعنا أنه أجرى عملية جراحية، شعرنا كلنا بالتعب والوجع، أصابنا المرض نحن أيضاً .
لقد غاب عنا في لحظة صعبة، كنا نستعد لنحتفي بالوطن في يومه السعيد، في عامه الأربعين، تركنا في يوم العيد تنقصنا الفرحة معه .
وعندما سمعنا صوته عبر الإذاعة الذي تناقلته الأجيال الشابة مباشرة عبر البرود كاست ومدوناتها وفضاء الإنترنت، لم تكن الشارقة وحدها مبتسمة، كان الوطن كله في لحظة ابتهاج، حتى في تلك اللحظات كان كعادته حفظه الله يشغله هذا الاتحاد، هذا الوطن يهتم بالتفاصيل، يشكر كل من سأل عنه، يبارك للإمارات، للقيادة الرشيدة لإخوانه الحكام، لشعبه . يوصي كل مسؤول خيراً بالمواطنين . .
الحمد والشكر لله . .
عاد سلطان . . نشعر بأن الروح عادت .